قبل أن نرجم الخرطوم!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

زيد عيسى العتوم

 

 

بعد عقود طويلة ومريرة على إنشاء ذلك الكيان الذي استباح فلسطين أرضاً وشعباً, وسواء أنكرنا وجود تلك الدولة الغاصبة بإغماض الأعين أو دسّ الرؤوس في الأحلام والآمال, أو قبلنا التعايش معها في رحلةٍ عنوانها الارض مقابل السلام, أو سعينا للتطبيع معها بحجة تنقية المناخ السياسيّ لفتح مزاريب السلام الموعود, بقيت قضية فلسطين ومعاناة شعبها أيقونة القضايا وحجر زاوية الاستقرار الاقليمي بلا منازع, مثلما أن حُمّى ذلك التطبيع المتعاظم ما زالت تترنّح بين سلامها الدافىء والبارد, ويسأل العربيّ نفسه في كل مرة عن عوائد ذلك السلام المنشود, وهل سيتلمّس الفلسطينيون به دعائماً للسلام أم أخيلة لطواحين الهواء, وهل سيعبرون جسور بناء الثقة أم سيصطفّون كواقعهم أمام أبواب المعابر والجدران العازلة!.

ينشغل بعض المحللين هذه الأيام في تتبع المسار السياسيّ بين تل أبيب والخرطوم, ذلك المسار المرتكز علناً على لقاء أكتوبر من العام 2020 في العاصمة الأوغندية عنتيبي, ويجتهد بعض المستشرفين في تصوّر ذلك التطبيع الخامس من نوعه بين إسرائيل ودولة عربية, في الوقت الذي ربما لا يمكن فيه إغفال حساسية تلك الخطوة لدى العقل الجمعي الفلسطيني نفسياً وعاطفياً, ولا يمكن أيضاً النأي بالنفس عن الكثير من الحسابات والهواجس والأسئلة الملحّة, فمن سينكر أن عبق قمة اللاءات الثلاثة بوقتها وظرفها وشخوصها وقضّها وقضيضها, يختلف كلياً وجذرياً عن واقعٍ عربيّ يعاني التهشّم والضعف والانكفاء, ومن سيتولى إصدار الأحكام على بلدٍ ضاق الأمرين من صعوباته الإقتصادية وأزماته الداخلية والخارجية حتى هذه اللحظة, بينما تكاسل الكثير من أشقاءه مراراً وتكراراً عن نجدته بإزاحته قريباً من بوابة الخلاص الإقتصادي والسياسي والأمني, وقد بقي موسوماً بعلامة نازفة كدولة راعية للارهاب ليس ببعيد عن يومنا هذا, ومن سيتفهّم انزعاج الفصائل والأجنحة الفلسطينية من التطبيع “المهين” حسب وصفها بين إسرائيل والسودان, بينما الجناحان الفتحاويّ والحمساويّ عاجزان عن الارتقاء والتحليق بقضية شعبهم وعدالة حقوقهم, لا تربطهما غير لغة التشكيك والتخوين والمهاترات البغيضة, التي لم تجلب غير مزيدٍ من التشرذم المزمن والفُرقة العميقة.

يراهن الكثيرون على ما ستؤول اليه الأمور عندما يقوم الجيش السودانيّ بتسليم مقاليد السلطة الى الحكومة والبرلمان المدنيان المنتخبان تحت الإشراف والمراقبة الدولية الحثيثة, وعندها سيقول السودانيون كلمتهم الفصل بالرفض أو القبول عشقاً بقطف ثمار “سلام الشجعان” بنسخته الجديدة, لكن ربما لن يبقى لاحقاً لفلسطين الحبيبة بعد الله الا نفسها فقط!.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...