كارثة القرن السورية.. بوابات دمشق والعودة الإنسانية.

 

 

 

*بقلم.. الدكتور حسن مرهج

 

 

لا يخفى على أحد، أن سورية وخلال الحرب التي شُنت عليها، عانت الكثير جراء تداعيات تلك الحرب، وتحديداً في الجانب الاقتصادي، فضلاً عن العقوبات الأمريكية والغربية، والتي ساهمت في تعميق جراح السوريين، وبعد أن بدأت سورية بنفض غبار الحرب، والبدء باجراءات اقتصادية، تعزز حياة السوريين، جاءت كارثة الزلزال التي أصابت الجغرافية السورية، والتي يُمكن وصف تلك الكارثة، بكارثة القرن، نظراً لجحم الأضرار وعدد الضحايا، واتساع البقعة الجغرافية التي أصابها الزلزال، كل ذلك، عمَق جراح السوريين، وزاد من معاناتهم، الأمر الذي يندى له جبين الإنسانية، وسط صمت مطبق من قبل المجتمع الدولي، وتجاهله كارثة القرن السورية، وبقاء هذا المجتمع اللا إنساني، سائراً خلف الرغبات الأمريكية.

بعد الزلزال مباشرة، ترأس الرئيس السوري بشار الأسد، اجتماعاً على أعلى المستويات، للمباشرة بتقديم المساعدات للمتضررين، وإنقاذ العالقين تحت الأنقاض، وتقديم المساعدات للناجيين. كل ذلك أعقبه اجراءات حكومية متسارعة، ووضع إستراتيجيات من شأنها مساعدة السوريين على تجاوز تداعيات الزلزال. وعلى الفور توجهت الوزارات والمؤسسات السورية الى المحافظات المتضررة، لسبر حجم الأضرار، وتقديم ما يُمكن أن يُرمم جراح السوريين.

في الجانب الآخر، فقد كانت سورية قِبلة لحالة من التضامن العربي، من مصر الى السعودية والإمارات وتونس والجزائر، مروراً بالأردن والعراق، ووصولاً الى حلفاء دمشق روسيا وإيران. الرئيس الأسد تلقى اتصالات عربية مكثفة، الأمر الذي يشي بأن دمشق ستشهد خلال الفترة المقبلة، عودة عربية من الجانب الإنساني، وعلى الرغم من العقوبات الأمريكية والتهديدات المباشرة بمنع التعامل مع الدولة السورية، إلا أن كسر الحصار بدأ حين بدأت طائرات المساعدات بالهبوط في مطار دمشق الدولي، معلنة دمشق وجهة انسانية بإطار سياسي واضح.

أما إتصالات الزعماء العرب بالرئيس الاسد، وبعد قطيعة دامت لسنوات، فأن ذلك لا يمكن وضعه إلا في الإطار السياسي، لإدراك جُل الزعماء، بأن بقاء دمشق خارج المنظومة العربية، لن يُفيد المناخ العربي والشرق أوسطي، ولأنهم يعلمون أيضاً حجم دمشق في أي توازنات إقليمية، ودورها المؤثر في كل المعادلات بجوانبها السياسية والاقتصادية وحتى الإستراتيجية.

كارثة القرن السورية، أسقطت معادلة أن أمريكا رسولة السلام. واشنطن لم تكن يوماً إلا دولة راعية للإرهاب، ودون ذلك، فإن الكارثة التي حلت بسوريا، كانت كفيلة برفع مباشر للعقوبات عن الدولة السورية، وكذا عن الشعب السوري الذي يأن جراء معاناته، وبالتالي، فإن الولايات المتحدة لا تزال تُصر على أن تكون ألد أعداء الإنسانية، ولا تزال توجه سهامها القاتلة إلى صدور السوريين، عبر تقييد مساعدتهم وتهديد الدول التي ترغب بمساعدة السوريين في محنتهم.

ورغم ذلك، شاهدنا غالبية الدول الإقليمية تُقدم مساعدتها للسوريين، وترسل فرقها إلى عموم الجغرافية السورية، لمعاينة الأضرار ووضع الرؤى للخروج من كارثة القرن السورية، بأقل الخسائر الممكنة. وهنا لابد من التذكير والتنويه، إلى أن الدولة السورية، ورغم خروج بعض المناطق عن سيطرتها، إلا أن الواجب الوطني والحكومي، يُحتم على دمشق إرسال المساعدات إلى المناطق الواقعة خارج سيطرتها، في وقت رفعت تركيا يدها عن تقديم أي مساعدات للمناطق الواقعة تحت سيطرتها.

الزلزال السوري أماط اللثام عن وجه واشنطن وحلفاؤها الإرهابيين، وهنا لا نتحدث عن الجانب السياسي، لكن الكارثة السورية اليوم تجاوزت الحد السياسي والاقتصادي، ووصلت إلى الحد الإنساني، وبما أن واشنطن والغرب يتشدقون بالدفاع عن حقوق الإنسان، ليبدؤا بمساعدات السوريين ورفع العقوبات عنهم، والإفراج عن أموالهم في البنوك العربية والأجنبية.

على الرغم من الكوارث التي حلت بسوريا، والتي كان أخرها الزلزال المُدمر، لكن لنتحدث عن التحولات المصيرية في الملف السوري، فاليوم بات واضحاً حجم التعاطف الإقليمي والدولي مع دمشق، دليل ذلك، الطائرات التي هبطت في مطار دمشق الدولي رغم الحصار الأمريكي، والاتصالات العربية والدولية التي تلقاها الرئيس الأسد. كل ذلك يؤكد وبوضوح، بأن كارثة القرن السورية، ستكون نقطة تحول في العلاقات مع دمشق، وهنا لا نتحدث عاطفياً، بل نتحدث بناء على وقائع ومعطيات، أفرزتها الكارثة السورية، فالعرب عادوا إلى دمشق من البوابة الإنسانية، والقادم من الأيام سيؤسس لواقع عربي جديد، عنوانه العودة إلى دمشق والتضامن معها جراء كارثة القرن السورية، وطرق أبوابها من البوابة الإنسانية.

*كاتب واعلامي وخبير في شؤون الشرق الاوسط من سوريا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...