ديار إبراهيم السَنكَسَري
المرء مجبول على التعلق بمن يحب، التعلق به وموطنه ومسكنه وأفعاله وسائر حركاته وسكناته، يود اللبث معه أين ما كان، يريد الحلول حيث حل هو. وهكذا هو حال قلبه، فالقلب مولع بما يفعله محبوبه وما ينشغل به، يتتبع خطواته، يحب حيَّه الذي يسكن فيه، ويهوى الدار التي يسكن فيها، ويعشق المكان الذي يعمل فيه، وهو لا يحب المكان نفسه، وإنما يحب ويهوى الروح التي تسكن فيه، والصوت الذي يتردد فيه، واليد التي تَبطش عنده، والقدم التي تطأ عليه، كما قال مجنون ليلى:
“أمُرُّ على الدِّيار دِيار لَيلىٰ
أقَبِّلُ ذا الجِدارَ وذا الجِدارا
وَما حُبُّ الدِّيارِ شَغَفنَ قَلبي
وَلٰكِنْ حُبُّ مَن سَكَنَ الدِّيارا!”
إنه مشغوف بمن سكن الديار، بمن يتمشى في طرقات الحي، بمن يدرس في المدرسة.
لذلك إن غاب الحبيب عن ذلك الموطن -ولو برهة-؛ أقلع القلب أيضا وحلَّق معه أينما ذهب، لأن الفؤاد مهووس بالحبيب نفسه فلا يتركه ولا يسلمه.
قال أحد المسنين:
“سافرت زوجي مع بعض أقاربها إلى العمرة، وأنا -وحالي أني ساكن في قريتي- كنت في مكة طيلة أسبوع كامل!”.
هذا هو الشغف الذي يتحدث عنه القرآن، والذي أعمى قلب زوجة العزيز جراء ما لحقته من هول حب يوسف (عليه السلام).، لقد ((شَغَفَها حُبَّا!)) حقا، لذا فقد سلكت كل مسلك في سبيل الوصول ليوسف (عليه السلام).
وإن غاب الحبيب عن عيون محبه أو فُقد عنه فإنه يهيم على وجهه كي يلقاه ثانية، وقد يُفقِد هذا الهيام بصر المحبِّ: ((وَابيضَّت عَيناهُ من الحُزنِ))، وقد يُفقده صوابه، كما كان الحال مع مُحِبَّة يوسف (عليه السلام) حين قالت: ((هَيتَ لَك!!)).
وقد يصل المرء لحالة يود فيها أن يشعر بحس حبيبه فقط، أن يستشعره بإحدى حواسه لا غير، كما أمر يعقوب (عليه السلام) أولاده قائلا مكلوما: ((يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ!))، لسان حاله يقول: يا بَنيّ! اذهبوا فاعثروا على يوسف، فإن لم تقوَوا على ذلك، فالتمسوا حِسَّا من يوسف، ائتوني بقوله أو صورة له أو ريح منه فإني على قدرة أن أشعر بما يصدر عن حواسِّه: ((إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَۖ))، إنكم لا تحسون بيوسف لأنكم لا تحبونه، لستم مشغوفين به، لم تلذعكم نار جواكم، لهذا قلوبكم باردة خالية لم تعط القوة لحواسكم بأن تشعر بحس يوسف، فشتان أنا وأنتم!
ألِمثلِ الحب السوقيِّ الموجود اليومَ أن يضاهي هذا الحب الحقيقي الصادق أو يدانيه؟ هيهات!





