د.محمد الحبيب الدكالي
بثت القناة التركية (TRT) خلال الأسبوع الأول من فبراير2023 برنامجا وثائقيا في عدة حلقات، متميز من حيث موضوعه ومضامينه ورسائله. يتعلق الأمر بحملة مناصرة لمرشح عربي مسيحي مهاجر من فلسطين لانتخابه كعضو عن الحزب الديموقراطي في مجلس بلدية مدينة نيويورك عن دائرة Bay ridge في ضاحية بروكلين.
المرشح خضر اليتيم في الخمسينات من عمره، هاجر مع أسرته إلى الولايات المتحدة، وهو قسيس في الكنيسة اللوثرية في باي ريدج وزوجته فلسطينية مسيحية، ناشط لا يهدأ في مجتمعه المحلي ومنه جالية عربية كبيرة في دائرته الانتخابية يصل تعدادها إلى 40 ألفا وهم من أصول عربية متنوعة.
البرنامج غني بالمقابلات والمشاهد والمعلومات ذات الدلالات. المرشح خضر اليتيم يتعاون مع عدة منظمات عربية نشطة في بيئتها الأمريكية لصالح الجاليات العربية والمواطنين الأمريكيين في ضاحية بروكلين المعروفة بنسبة سكانها الكبيرة من السود. ويهدف القسيس خضر من ترشحه إلى إسماع صوت الجاليات العربية وعامة مواطني دائرته حول قضاياهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في مجلس بلدية نيويورك التي تعج باللوبيات بحكم التنوع الكبير لأصول سكان المدينة. كان شعار حملته “من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية”، كما لا ينسى خضر اليتيم أصله الفلسطيني والتعريف بقضية وطنه وهي حاضرة في أنشطته وقد ذاق في شبابه مرارات الاعتقال والتعذيب في مراكز الشرطة الإسرائيلية.
ولكونه مرشح عربي فلسطيني يتطلب ترشحه حشد الأصوات لصالحه أمام مرشحين عديدين آخرين من كل نوع، سعى خضر اليتيم بشكل مكثف ومنظم في أوساط الجاليات العربية والمواطنين الأمريكيين العاديين التماسا للدعم بالتصويت لصالحه، فقد زار خلال سبعة أشهر 65 ألف منزل للتعريف بحملته شملت جاليات مهاجرة متعددة عربية وغير عربية. كما حظي بدعم قوي من منظمات حقوقية محلية إذ كانت تعمل معه بشكل وثيق سيدتان من الناشطات الحقوقيات إحداهما أمريكية وأخرى فلسطينية متحجبة. ومع هذا تبين أن الموضوع ليس سهلا، فقد كانت أمام فريق العمل تحديات وعوائق كبيرة. لقد اتضح له أن حوالي 4 آلاف فقط من الجاليات العربية مسجلون في قوائم التصويت بسبب ضعف مستوى الوعي في أوساط الجالية، كما أن نسبة كبيرة من أفرادها يعانون من ضعف في اللغة الإنجليزية أو يجهلونها. ومن العوائق التي اعترضت فريق العمل كذلك رفض المسؤولين في مراكز الانتخاب السماح لمترجمين من الجالية العربية لإرشاد ناخبي الجالية العربية في المراكز بمقتضى قانون في الولاية، وقد أدى هذا الإجراء إلى حرمان خضر اليتيم من أكثر من 500 صوت وكان ترتيبه الثاني بعد المرشح الفائز.
وكان أن عرج البرنامج الوثائقي على جانب رائع في القصة. لقد فتح القائمون على المسجد الكبير في باي ريدج أبوابه أمام القسيس خضر اليتيم للتعريف بحملته الانتخابية ودعوة جمهور المسجد وهم مئات في صلاة الجمعة لدعمه ومناصرته بأصواتهم. كانت لحظات مؤثرة فعلا وهو يتكلم أمام جموع المومنين حول أهمية المشاركة بالتصويت لمصلحة الجاليات العربية مسلمة ومسيحية ولمواطني المنطقة عامة وأهمية التسجيل في قوائم التصويت. ومن المشاهد المؤثرة كذلك لحظات العناق والحفاوة والاحترام التي لقيها القسيس خضر من إمام المسجد ومن عدد من الدعاة المحليين ووجهاء الجالية العربية في المسجد ودعوتهم لمناصرة خضر، ولقاءه بعدد من الشبان بعد الصلاة وحواره معهم، وكان خلالها يوزع منشوراته. وحول دعم الجالية الإسلامية له قال خضر “دعم هذه الجالية كان أكثر من رائع. لقد فتح لي العديد منهم بيوتهم ولم يخلق كوني مسيحيا أي عائق”.
ومن المشاهد ذات الدلالة الدور النشط والمهني الذي تقوم به عدد من السيدات المسلمات المحجبات العاملات في منظمات عربية أمريكية ومنهن فلسطينيات لدعم خضر اليتيم في حملته الانتخابية، وبدا واضحا أن أولئك السيدات، وهن من أعمار مختلفة، من ذوات المستوى الثقافي والمهني العالي، وقد أظهر البرنامج لقطات لبعضهن وهن يحاورن المواطنين الأمريكيين في الشوارع أو يطرقون عليهم أبواب بيوتهم، ولقطات أخرى وهن يخطبن أمام جماهير كبيرة من الأمريكيين في مناسبات معينة وهن يدافعن عن إسلامهن وعن حجابهن وعن فلسطين وضد التمييز العنصري في الولايات المتحدة.
لكن عدم نجاح خضر كان بداية لمرحلة جديدة أمامه وأمام فريقه لاستئناف نضالاتهم، لقد استفادوا من الدروس: فمن جهة قرر فريق من إحدى المنظمات الحقوقية العربية الشروع في تنفيذ برنامج لرفع مناسيب الوعي والمشاركة النشطة في ثلاثة مجالات: بناء القدرات القيادية، المناصرة والضغط (advocacy & lobbying)ومهارات إدارة الحملات الانتخابية. من جهة أخرى نجح فريق خضر في إقناع أعضاء في بلدية نيويورك لتقديم مشروع قانون أمام كونغرس ولاية نيويورك لإلغاء قانون منع حضور المترجمين في مكاتب التصويت.
سرحت بتفكيري بعد انتهاء البرنامج الوثائقي في مضامين رسائل هذا الفيلم الوثائقي التي يلتقطها المشاهد بوضوح، الآتية من بيئة اجتماعية وثقافية معقدة تعيش فيها الجاليات العربية أمام تحديات غير عادية خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، وكيف يمكن للعقلاء الواعين من المسلمين ومن إخوتنا المسيحيين العرب أن يبنوا مصالحهم المشتركة باستحضار الكمّ الكبير من المبادئ والأخلاق الواحدة التي دعا إليها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيدنا عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام. لكن سرعان ما أخرجتني من تأملاتي، وأنا أحوقل، حالة وصور التمزق والصراع الطائفي والمذهبي المروع في الوطن العربي الذي يغذّيه دون توقف، مع شديد الأسف، فهمٌ جاهلي للإسلام، باسم الإسلام.





