محمد الدكالي
استوقفتني مسألتان في الحوار الذي أجرته مؤخرا السيدة سارة الحمداوي مع د. أحمد الريسوني في بودكاست “أثير”: وضعية أدوار العلماء، ونصيحته للشباب المنخرطين في العمل الإسلامي.
وكعادته، جاءت أجوبته وتحليلاته في الحوار جريئة وصريحة، كالعلاقة مثلا بين العامل السياسي والمشكلات الكبيرة في المجتمع والدولة، ومنصفة ورفيقة في التقييم والنقد عندما تطرق إلى أدوار العلماء وأدوار الشباب في العمل الإسلامي. وحول الجرأة كطبع في شخصيته، كما عرفته وقد ناهزت صداقتنا ستين عاما، بارك الله في صحته وعمره، أتذكر مواقف طريفة أقتصر على واحدة منها. عندما التحقنا بوزارة العدل كموظفين سنة 1974، عمل في البداية في قسم شؤون الموظفين في الإدارة المركزية للوزارة، وكان رئيس هذا القسم مشهورا بشدته وصرامته ويهابه الموظفون حتى خارج الوزارة. دخل عليه سيدي احمد بأوراق ما، وهكذا كنا نخاطبه منذ أن كنا شبابا، فبادره رئيس القسم العتيد متهكما “أهلا مجيب الرحمن” في إشارة إلى زعيم انفصال بانغلادش عن باكستان آنذاك، فقد كان صاحب لحية خفيفة ويحافظ على صلاة الظهر أثناء العمل وهذا ما كان شيئا غريبا في ذلك الوقت بالنسبة لشاب في عمره، فرد عليه مباشرة “أهلا مجيب الشيطان”، فبلع الرجل لسانه ولم يعقّب.
أزمة العلماء
عندما سألته المُحاوِرة عن أدوار العلماء الآن في المغرب، مهّد في جوابه أولا بالحديث عن الصفة الجامعة الأساسية لمفهوم العلماء كما وردت في كتاب الله عز وجل بصفتهم علماء ربانيين، وأورد فهم الطبري لهذه الصفة بكونهم “يجمعون بين الشريعة والسياسة”، ولأمر ما اختار هذا التعريف، فله دلالاته الواضحة. ثم تحدث عن أساليب التهميش والحَجْر والتضييق التي يتعرض لها العلماء المستقلون عن التبعية للسلطة. وعلى مستوى أعم، تحدث عن أزمة العلماء في الأمة، وضربا مثلا بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، كبرى المنظمات العلمائية، وقد ترأسها مكرها لسنوات ثم استقال منها، وهذا أيضا له دلالاته. ثم شخّص أبرز مظاهر الأزمة لدى العلماء في ضمور الإنتاج العلمي وهو من بين أهم وظائفهم.
ولأن أحمد الريسوني يطبعه الرفق والأدب مع الناس، ومن باب أولى مع العلماء، لم يذهب في نقده لهم إلا إلى مكاشفات محدودة، لكن فيه مُضمرات، ولعل كتابه “رسالة إلى العلماء” جماع لتأصيلاته وتحليلاته وتقييمه لأدوار العلماء كما كانت في التاريخ، وكما هي ظاهرة الآن، ولِما هو مفترض أن تكون عليه، في سياقات العصر.
أستطيع أن أزعم أن أحمد الريسوني لا يقصد بالإنتاج العلمي في هذه الحالة، إعادة إنتاج ما سبق إنتاجه من مسائل التراث الفقهي إلى حد التخمة، بل يقصد في الدرجة الأولى فقه الواقع الآن، وفقه المستقبل وقد شدد على هذا الأخير في الحوار، وهذا أمر غير معهود بل غائب تماما عن إدراكات واهتمامات العلماء المحترمين. هذه الملاحظة النقدية عنده حول فقه الواقع ليست جديدة، بل همّ واهتمام مُضنٍ منذ بدايات إنتاجه الفكري والعلمي، فبقدر ما كانت اهتماماته الفكرية والعلمية تتوسع وتتعمق، بقدر ما كان الربط لديه بين فقه الشريعة وفقه الواقع يشتد، في كتبه ومقالاته وحواراته وتغريداته ومواقفه، وما غوصه في المسألة المقاصدية منذ وقت مبكر من سيرته الفكرية والعلمية، إلا العنوان الأبرز لوعيه بالأهمية القصوى للعلاقة بين الفقهين.
صحيح أن هناك اهتمامات متزايدة في الكتب والمحاضرات لدى بعض علماء الدين في العالم العربي حول قضايا الواقع، في الاقتصاد والسياسة والتربية وقضايا مجتمعية وما شابه، في نفس الوقت، ليس عسيرا ملاحظة أن هذا الانتاج يتسم بالطابع النظري المحض ويكاد ينحصر التركيز فيه على محاولات التأصيل من أصول الدين ومن التراث الفقهي، لكن الفراغ يبقى كبيرا حول ما بات يعرف بفقه التنزيل، وهذا ما نبه إليه صاحبنا في عديد المرات. وحتى مع تدارك بعض الباحثين لمسألة التنزيل في بعض المؤلفات وهذا شيء مهم، إلا أنه يبقى بدوره نظريا في أغلبه، وستبقى هذه المحاولات معلقة في الفضاء، كإنسان ليست له يدان يبطش بهما ولا رجلين يسعى بهما. لا سبيل إلى فقه تنزيل حقيقي إلا بالنزول إلى الأرض والالتحام بقضايا ومشكلات الواقع التحاما مباشرا.
الدراسات التطبيقية
قبل سنة أرسل إلي صديق عزيز، وهو أستاذ جامعي ويشرف على مختبر للدراسات النفسية والاجتماعية والثقافية في جامعته، برنامجا لإحدى الندوات العلمية التي نظمها المختبر، تضمّن ما يزيد عن أربعين بحثا في هذه المجالات. لاحظت من خلال تعريفات هذه البحوث أنها كلها نظرية محضة، فأرسلت إلى هذا الصديق متسائلا عن خلو هذا البرنامج من أية دراسة تطبيقية، فأجاب بحسرة أن الباحثين يأنفون منها لأنها صعبة وتتطلب جهودا كبيرة!! هذا في تقديري، هو أبرز مظاهر أزمة الانسداد في الإنتاج العلمي عند علماء الدين والباحثين من ذوي التوجهات الإسلامية، عندما يفضلون البحث النظري والتنظير في هذه المجالات، إما في التراث أو في المدارس الغربية أو فيهما معا. كيف يمكن اختبار أي شيء من دون النزول إلى الواقع في قضاياه؟
سياقات العصر التي نعيشها في كل جوانب الحياة تقريبا في مجتمعاتنا، تختلف جذريا عن سياقات الأزمان الغابرة، فهي جديدة كليا، صنعتها الحضارة الغربية بمفاعيلها الحسنة والقبيحة، وقد أثرت في عمق مجتمعاتنا وأنظمتنا التربوية والسياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية، عموديا وأفقيا. ولأسباب تعود إلى الذات بالدرجة الأولى ثم إلى مفاعيل السياسات الإمبريالية، تجد مجتمعاتنا نفسها في حالة انحطاط شامل حسب تعبير أحمد الريسوني، وقبله أبو الحسن الندوي في كتابه الشهير “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”. الإنتاج العلمي السائد لدى علماء الدين المحترمين والباحثين، يفضل عادة منطقة الأمان بالتنظير دون اقتحام لجج الدراسات الميدانية، فلا يُحدث من ثمة، أية تأثيرات حقيقية في واقع مجتمعاتنا ولا في أنظمتنا السياسية، كاختراقات ونقلات إيجابية قابلة للقياس بالمعنى الاستراتيجي، كما في التجارب الحضارية والثقافية في الغرب. التنظير العام المجدي مطلوب، لكن هناك مستويات أخرى من التنظير في علاقاته بقضايا الواقع ما تزال ضعيفة.
في الحضارة الغربية الحديثة والمعاصرة، تطورت الفلسفات والأفكار في الاجتماع والتربية والسياسة والاقتصاد، وتفاعلت معها النخب والمجتمعات عبر مبادرات ومشاريع وتجارب لا حصر لها، فأنتجت ثمارها التي نراها بحلوها ومرّها. وبالنسبة لنا، لا يمكن توقع أية تحولات إيجابية عميقة، في أي مجال، ما لم تلتحم أفكار الإصلاح دينية كانت أو فكرية، بقضايا ومشكلات الواقع المُعيّنة، فهذا هو الاختبار.
قضايانا ومشكلاتنا الكبيرة، في الأسرة والطفولة والشباب، والتربية والتعليم، والسياسات الاقتصادية والفقر والبطالة، والعوالم الريفية المنسية، والإعلام والثقافة والفن، والجامعات والبحث العلمي، والنظام السياسي والحياة السياسية والفساد المستشري، والتبعية للخارج..إلخ، لا يمكن فهمها ومعالجتها إلا بهداية المفاهيم والمقاصد والقيم الإلهية الكبرى المنسية، (فنسوا حظا مما ذُكّروا به)، ثم تفكيكها وتحليل عواملها ومفاعيلها بعلوم وأدوات التخصص في كل مجال عبر الدراسات الميدانية التطبيقية، وتحديد الأولويات والتوجهات والرؤى الهادية، وبالتخطيط بعيد المدى لحلها بالمنهجيات والأدوات المناسبة. هكذا يكون الاختبار، وبهذه الطريقة فقط سننتج فقها للواقع، حقيقي منتج ومؤثر. هذه مهمة الصفوات والنخب ولا توجد طريقة أخرى. وفي جميع الحالات، أظهرت تجارب الأمم الحية أن نهضتها كانت تراكمية عبر مراحل، ولا يمكننا أن نشذّ عن هذه القاعدة في انتظار بطل مخلّص وهمي، فهذا من سنن الله الكبرى في تاريخ المجتمعات والحضارات.
هذه ليست مثاليات، بل فهم وتوصيف عامّين. قد يقول قائل، أن تلك الأمم قادتْها نخب فكرية وسياسية واقتصادية واعية ومخلصة لأوطانها، وهذا صحيح، لكن مجتمعاتها أيضا انخرطت بأشكال عميقة في مسارات البناء الحضاري. كمثال، طورت المجتمعات الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهذا شيء هام جدا، ثقافة جديدة إسمها الشراكات والتشبيك في مجالات لا حصر لها، بين جهود المؤسسات والمنظمات المجتمعية، وبينها وبين مؤسسات الدولة مركزية كانت أو جهوية أو محلية، وكل من له اطلاع على هذا الجانب بالذات لدى الأمم الحية في الغرب والشرق، سيصاب بالدهشة من المَدَيات والمستويات المبهرة التي وصلت إليها تلك المجتمعات من الرّقي في كل المجالات، وقد صار التعاون والتنسيق والتكامل لدى هذه الأمم ثقافة مجتمعية حقيقية. أتذكر أنني سألت د. أحمد الريسوني قبل سنوات عن الفرق في درجة الوجوب الشرعي بين قول الله سبحانه “وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة” وقوله عز وجل “وتعاونوا على البر والتقوى”، فقال لي حرفيا “هما على نفس درجة الوجوب الشرعي”، وإلّا ففي القرآن الكريم آيات عديدة حول التعاون كمقصد كلي عام، لكنه غائب في خريطتنا الذهنية، بل عكسه هو السائد مع الأسف الشديد.
وفي مرجعية الوحي، عندما يظهر الفساد المركّب، ويتبنى الحكّام توجهات وخيارات تناقض المصالح الحقة للمجتمع والدولة، تنتصب مسؤولية ” يا أيها الذين آمنوا”، أي المجتمع نفسه لتحقيقها، فـ”كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”، في كل مجال وعلى كل مستوى. هذا بُعد جوهري في النسق القرآني وفي منهاجه الشامل للإصلاح، لكنه منسي هو الآخر. وما يلفت الانتباه في هذا السياق ظهور ثقافة “المسؤولية المجتمعية” في مجتمعات الغرب، فصارت فكرا حقيقيا ومدارس تطبيقية متنوعة. لو لم يركز علماء الدين المحترمين عندنا إلا على مثل هذه المفاهيم والمخارج لكفاهم وأعذرهم.
الخلاصة، أن لا سبيل لمساهمة العلماء والباحثين في إعادة بناء المجتمعات والأوطان، إلا بتفاعل فقه التجديد مع فروع المعرفة والعلوم ذات العلاقة، هذه معادلة رياضية، وهذا يقتضي توسيع المدارك بالانفتاح المعرفي والثقافي، وبالاطلاع على التجارب الإنسانية النافعة ودراستها بموجب مقصد التعارفية كما أخبرنا ربنا سبحانه في حكمته من خلق الشعوب والقبائل. تلك أمم حية، والموتى يبعثهم الله فينبئهم بما عملوا يوم القيامة.
جيل جديد من العلماء
الصورة ليست قاتمة في واقع الأمر، فهناك مبشرات تترى عندما نتفحص المشهد العام للثقافة الإسلامية المعاصرة. توجد بدايات تحولات أساسية بانية في هذه الثقافة، عبر جهود فكرية وعلمية تجديدية، سِمتها الأهم، العودة إلى الوحي وفهمه بمنهجية الوحي نفسه، ومن ثمة لفهم واقع الأمة، وليس بشعارات إيديولوجية سطحية. ومن بين أبرز هذه الجهود، مدرسة “الرؤية الدعوية” وصاحبها د. الشاهد البوشيخي وكثير من أدبياتها متوفر على موقع “مركز البحوث والدراسات العلمية-مبدع”ومقرها في فاس، والمدرسة المقاصدية المعاصرة وصاحبها معروف، ومدرسة “مشروع النهضة” بصاحبيها راشد الغنوشي فكّ الله أسره و د. جاسم السلطان صاحب “مشروع النهضة”، وأدبيات هذا المشروع منشورة في موقع بهذا الإسم. هذه المدارس طورت منهجيات وفتحت آفاقا جديدة مسعفة لتجديد وتسديد فهم كتاب الله عز وجل، وأعادت الاعتبار لمفاهيم أساسية كبرى فيه غابت عن إدراكات المسلمين وعلماءهم طويلا، كما أعادت رسم مسارات التوجهات العلمية والجهود العملية لإعادة بناء الأمة. كل هذه المدارس لها طابع تأسيس حقيقي، ومع تنوع مقارباتها ومنهجياتها في النظر والتدبر في كتاب الله عز وجل وفي واقع الأمة، لكن منطلقها واحد، وهو الوحي بالاجتهاد في فهمه كما أنزل، لا كما ساد لدى المسلمين في كثير من فهوماتهم له عبر التاريخ.
ظهرت كذلك مدرسة جديدة أخرى في أمريكا الشمالية في وقت مبكر نسبيا منذ الستينيات الماضية، وتشترك مع المدارس المذكورة آنفا في نفس المنطلقات والمقاصد العلمية والعملية ونفس الرؤية العامة لواقع الأمة، مع طابع خاص، كونها تأسست على يد صُفوات من المفكرين والخبراء والباحثين المسلمين المهاجرين من عموم العالمين العربي والإسلامي. هذه المدرسة، بالنسبة لمن لا يعرفها، أسست لما يعرف بـ “إسلامية المعرفة”، وهو كذلك مشروع تأسيسي حقيقي، متعدد النطاقات في مجالات اهتمامات أصحابه المعرفية والعلمية، وقد نشرت أدبيات هذه المدرسة وما تزال في مجلتي “الإسلام المعاصر” ثم في أختها “إسلامية المعرفة” منذ سنوات طويلة. كما ستؤسس هذه الصفوات “المعهد العالمي للفكر الإسلامي” سنة 1981 وهومتخصص في البحث التربوي وله فروع في عدد من البلدان العربية والإسلامية، ثم ستؤسس سنة 1983 مؤسسة أكاديمية وعلمية بارزة هي “الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا”، التي تختلف كثيرا عن الجامعات والكليات الإسلامية في العالم العربي، في رسالتها وتخصصاتها وأنشطتها الأكاديمية حيث يتم دمج القيم الإسلامية في جميع التخصصات.
الميزة البارزة الأولى لهذه المدرسة، أن أصحابها صفوات من العقول المسلمة المتخصصة في عديد من فروع المعرفة خاصة في العلوم الإنسانية، أتيحت لها الفرص لكي تنهل من العلوم المتقدمة في الغرب مما مكّنها من امتلاك قدرات معرفية ومنهجيات علمية وأدوات للفهم والتحليل متقدمة، والاطلاع الواسع على النافع من الكسب الإنساني المنسجم مع المرجعية الأصيلة لهذه الصفوات، وقد عاشوا في مجتمع متقدم في مجالات التربية والبحث العلمي، وفي مناخات من الحرية الفكرية والأكاديمية والسياسية، لم تكن متاحة لها في بلدانها.
الميزة الثانية، جهودها المتميزة للمساهمة في تجديد وتطوير الفكر والثقافة الإسلاميين، أكثر عمقا والتصاقا بالواقع واستجابة لاحتياجات الأمة في قضاياها الكبرى. أعادت صياغة التعريفات والفهومات لتمثّل وإدراك طبيعة الإسلام نفسه وفقا للأصل وهو الوحي، وطرحت بمناظير جديدة متعددة الأبعاد، أسسا فكرية وعلمية لتوجهات ومسارات نهضة الأمة، في سياقات هذا العصر، لا في سياقات الأزمان الغابرة.
أدوار شباب العمل الإسلامي
عندما سُئل عن رؤيته لأداور الشباب في العمل الإسلامي، كان رد أحمد الريسوني كما هي عادته، منصفا وصريحا عندما ذكرهم بخير وشدد على أهمية هذه الأدوار في خدمة وإصلاح المجتمع، وانفتاحهم على المراجعات والنقد الذاتي، وقابليتهم لتطوير أداءاتهم في العمل الدعوي والإصلاحي المجتمعي. لكنه تحدث كذلك عن ضرورة مراجعة بعض المنهجيات لديهم كمفهوم الجلسة التربوية، معلقا أن الشباب يحتاجون إلى من يقوم بهم ومعهم لا إلى من “يجلّسهم”، في إشارة واضحة إلى وجود ضعف ما في الانخراط المكثف في العمل الميداني الباني. وبشكل أدقّ، تحدث عن مشكلة ضمور وسائل العمل المناسبة في جهود البناء لمواجهة المخاطر والمهددات، بينما يشهد المجتمع ظاهرات سلبية خطيرة متفاقمة وبتأثيرات متسارعة غير معهودة ولا مسبوقة.
ما أجمله أحمد الريسوني في أزمة الوسائل لدى شباب العمل الإسلامي، هو فعلا نقطة ضعف كبيرة، لها نتائجها داخل تشكيلات العمل الإسلامي ومنها الجمعيات التابعة لها، وعلى حجم العمل الميداني في المجتمع بمحدودية مجالاته ومخرجاته، دون أن يعني هذا وبأي شكل، التقليل من قيمة وأهمية هذا العمل الشبابي.
أزمة الوسائل، قبل تعريفها، تعود لسببين: أولهما عتاقة القيادات التي ابيض شعرها وهي في مواقع المسؤولية لسنوات طويلة، إذ لا توجد تقاليد في هذه التشكيلات لتجديد القيادات بأخرى شابة أكثر تأهيلا وديناميكية. أذكر أنني سألت أحد هؤلاء الشيبانيين الفضلاء عن هذه الظاهرة غير الصحية، فعللها بكون الشباب قليل الخبرة بينما الشيبانيون هم أصحابها (؟!)، وكأنما الشباب ليسوا أكثر قدرة وأسرع في التعلم والاستيعاب، وأكثر فهما لطبيعة العصر ولأدوات العمل، وأكثر قدرة على التكيف والتعامل مع المتغيرات المتسارعة. إحدى نتائج هذه الظاهرة جمود في أنماط وأدوات العمل قد يستمر لعقود، مع بعض التغييرات الشكلية في أساليب العمل والوسائل لا تنفذ إلى عمق عوامل القصور.
السبب الثاني وهو إفراز للأولى، ضعف ظاهر في أهم وأُولى الوسائل وهو ما يعرف ببناء القدرات والمهارات (Capacity building & skills) ومنها الضغط والمناصرة (Lobbying & advocacy) وهذه مصطلحات. تدبير المؤسسات، كيفما كانت، حكومية أو قطاعا خاصا أو مؤسسات مجتمعية أو منظمات غير حكومية، وممارسة الضغط لمناصرة قضايا مجتمعية أو سياسية، كل هذا صار علوما وفنونا حقيقية منذ وقت طويل، لها مبادؤها وقواعدها ومنهجياتها وأدواتها الخاصة بكل مجال ونمط ، ففي المجال الواحد أنماط من العمل، مع وجود قواعد عامة مشتركة. موضوع بناء القدرات والمهارات ليس غائبا عن أذهان قيادات العمل الإسلامي، عندما تُنظم دورات تكوينية ما حول هذا العنوان أو ذاك من عناوين التدبير، لكنها متباعدة زمنيا وعشوائية في موضوعاتها، بينما بناء القدرات والمهارات، منظومة متكاملة ومتماسكة لا يجزئ بعضها ولا يغني بعضها عن المنظومة ككل.
يبدو أن الرؤية بعيدة المدى والنفس الطويل والصبر في هذا المجال محدود، لأن مثل هذه الدورات المحدودة لا يمكن أن تفضي إلى بناء قدرات وتمليك مهارات حقيقية، وجل ما تعطيه تعريفات ومفاهيم عامة سرعان ما تتلاشى تحت وطأة الجمود المتمكن. للأمانة وحسب ما أعرف، تُستثنى من هذه القاعدة شبكة “منتدى الزهراء” التي عرفت في عهد رئيستها سمية بنخلدون رحمها الله وبعثها مقاما محمودا، جهودا حقيقية في بناء القدرات والمهارات، ارتقت بها الشبكة إلى مستويات ممتازة من الفاعلية والإنتاج.
ما يتعين أن تفهمه قيادات العمل الإسلامي، أنه لا سبيل إلى تطوير أدوار الشياب في تشكيلات العمل الدعوي والمجتمعي وفي مجالات عملها، من دون تبنّي برامج حقيقية بالمعنى الاحترافي لبناء القدرات والمهارات، بمتطلباتها المعرفية والفنية والتطبيقية، وهذا يتطلب أطرا متخصصة، وموارد معتبرة، ووقتا كافيا وصبرا، وقد يتطلب الأمر سنتين على الأقل من العمل المكثف المتواصل لتحصيل الأساسيات المعرفية والتطبيقية، في التخطيط والتنفيذ والمتابعة والتقييم والتقويم، وفي تأسيس وإدارة مواقع التواصل الاجتماعي وكتابة المحتوى، في كل مجال على حدة، فهي متعددة ومتطلباتها مختلفة، وإلا فالتطوير والتحسين لا يتوقفان. ومما يتعيّن أن يُفهم كذلك، أن بناء القدرات والمهارات يشمل كذلك اختيار وإعداد القيادات نفسها، إذ لها منهجيتها ومواصفاتها الخاصة، وفي البناء المؤسسي، لها هي الأخرى قواعدها ومنهجياتها وآلياتها. وفي واقع الأمر، ومنذ مرحلة التأسيس، سادت فهومات وممارسات وتقاليد حول التدبير ومنه التنظيم، بعيدة عن القواعد والمنهجيات المتعارف عليها عالميا، وهذا له أسبابه كذلك.
ملاحظة أخيرة حول بناء القدرات والمهارات. المفترض كضرورة، ألا تقتصر تشكيلات العمل الإسلامي على بناء قدراتها ومهاراتها هي فقط، بل تنخرط في برامج موسعة لا تتوقف لبناء قدرات الشباب عامة في المجتمع، ليس للاستقطاب التنظيمي فهذا توجه سيئ، بل لغرض تمكين المجتمع من توسيع دوائر فعل الخير وعمل الصالحات على أوسع النطاقات، فـ”الله يحب المحسنين”، و”الدال على الخير كفاعله”، و”من دلّ على هدى فله أجره وأجر من عمل به لا ينقص من أجورهم”، و”إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، ليستغفرون لمعلمي الناس الخير”، أي كيف يعملون الخير، و”إن الله كتب (أي أوجب) الإحسان في كل شيئ..” وصدق النيات ليس كافيا لوحده.
نسأل الله التوفيق.





