سوريا وجامعة الدول العربية

 

 

 

*غسان الاستانبولي

 

 

نعم لقد أصاب أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، حين قال “إن عودة سوريا إلى الجامعة هي عودة رمزية”، ونحن نتّفق معه بما قال، ونختلف بالنوايا، فحين قصد هذا الموظف أن الوجود السوري في الجامعة سيكون وجوداً صورياً، قصدنا أن وجود سوريا بجامعة رمزية، ومن ثم تعليق عضويتها، كانا حدثين رمزيين، وصوريين، ولا أهمية لهما، فسوريا لم تكن لتُعوّل على ما تُسمّى جامعة الدول العربية، وكان مُلاحظاً منذ عقود أن الوجود السوري فيها منذ التأسيس، هو وجودٌ لمنع التآمر، ولمنع الأذى، الذي قد يلحق ببعض الدول العربية، وخاصّة الفقيرة منها، وبالأخصّ الفقيرة وغير المرتبطة بقرار خارجي، والشواهد كثيرة، ولدينا دليلين على رمزية وجودها أو عدمه، الأول، هو الموت السريري لهذه الجامعة منذ ثلاثة عشر عاماً، فلا صوت، ولا حركة لها، رغم كثرة وضخامة الأحداث التي تخص العرب، والدليل الثاني، هو تهليل وتكبير العالم حين أعلنت هذه الجامعة قرار تعليق عضوية سوريا فيها، كذلك حين تمّ إيقاف هذا التعليق، ووحدهم السوريون لم يأبهوا ولم يبالوا بكلا الحدثين، إضافة إلى أن القيادة السورية لم تُحاول طِوال سنوات الحرب عليها أن تتوسّط للعودة إلى هذه الجامعة، ولم تكن تولي أيِّ اهتمامٍ لهذا الموضوع، وبنفس السياق لو عدنا سنةً إلى الوراء، أي عند التحضير للقمّة الماضية التي عقدت في الجزائر، لوجدنا أن سوريا ثمّنت موقف القيادة الجزائرية الحريص على دعوة سوريا لحضور القمّة، ولكن الرأي السوري كان بألّا تُعرّض الجزائر نفسها للإحراج، وبالتالي لزعزعة هذه القمّة، بسبب أيّ ضغط، أو أيّة وساطة، لتسهيل حضور سوريا فيها.

الآن، وبعد قيادةٍ ناجحةٍ من قبل السعودية لتحرك عربي، عاد لسوريا مقعدها المسروق منذ إثني عشر عاماً، وبصرف النظر عن الدوافع، وعن العوامل التي ارتكز عليها هذا التحرّك، فيبقى تحرّكاّ محموداً، ونتيجةً جيدة، وما التفسير المُبتذل لهذه العودة من قبل مسؤولي بعض الدول العربية، إلّا تزويراً يُقدّمه قادة هذه الدول للحفاظ على شيء من ماء وجوههم، فالشيء الأكيد هو أنّ سوريا عادت إلى هذه الجامعة بلا أيّ شرط، وبلا أيّ تنازل.

لا شكّ، أن سوريا وخلال أزمتها الأخيرة تعلمت الدرس جيداً، وبالتالي ستبتعد، ولو قليلاً، عن مراعاة مصالح الآخرين على حساب مصالحها، لتكون مصلحتها الوطنية هي الميزان، وهي البوصلة، وبناء عليه، تكون الاستراتيجية السورية المُقبلة عربياً، ودولياً، هي تمكين وتفعيل العلاقات الثنائية بين الدول، بما فيها الدول العربية، ولا تُغريها التجمعات الكبيرة، ولاسيّما تلك التي تستطيع دولةٌ صغيرةٌ ضمن أيّ تجمع، أن تُحجّم عمل بقية الأعضاء، أو أن تفرض رغباتها على دولٍ كبيرةٍ وعريقة، فمن غير المنطقي، أن نرى دويلةً بالكاد أن تتساوى بعدد سكانها الأصليين مع عدد سكان حي من أحياء دمشق، ولم تنل استقلالها حتى عام 1971، وبإيعازٍ أميركيٍ إسرائيلي، نرى هذه الدويلة وهي تتصدّر، وتصادر القرار العربي، وتجمّد عضويّة دولةٍ كانت منذ عام 1945 من الستّة الأوائل المؤسّسين لهذه الجامعة.

وبالتأكيد، هذا لا يعني أن تتخلى سوريا عن العمل العربي المُشترك، بل يعني أنّها ستسير بالتوازي على خطّين، أولهما، العمل العربي المُشترك، بشرط ألّا يؤثر هذا العمل على العلاقات الثنائية بينها وبين أيّة دولة أخرى، وبالشكل الذي يؤمّن مصلحتها الوطنية أولاً، والمصالح العربية ثانياً، وثانيهما، على خط العلاقات الثنائية، بما فيها العلاقات الثنائية العربية العربية، بشكلٍ يؤمّن مصالح كلتا الدولتين المتحاورتين.

أخيراً، وفي ظلّ الأحداث الكبيرة والمُتسارعة، التي ستغيّر شكل العالم، أصبحت كلّ الدول، بما فيها الدول العظمى، تعتمد التكتلات لتكون ملاذاً يحميها من الانهيار، ولا بدّ للدول العربية أن تتكتل ضمن إطارٍ عربي، قبل أن تنضّم لأحد التكتلات الكبرى، ولكن يجب أن يكون هذا التكتل العربي بغير سلوك، وبغير نمطية عمل جامعة الدول العربية، بل بغير أخلاقيات بعض القادة فيها، ومن هذا المنظار تنظر الشعوب العربية إلى عودة سوريا لهذه الجامعة، فهل ينجح القادة العرب بإعادة بناء هذا التكتل العربي، على أسس أفضل من الأسس التي بُنيت عليها جامعة الدول العربية؟، نتمنى ولكن لا نتوقع.

*كاتب وباحث سياسي سوري

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...