*عبد النبي بزازـ المغرب
بإصداره لأضمومته القصصية ” تحت خط الكتابة ” ، وهي عبارة عن قصص قصيرة يغني الأديب المغربي القاص والشاعر والناقد عبد الرحيم التدلاوي ” ريبرتاوره ” الإبداعي بمنجز سردي زاوج فيه بين القص القصير جدا والقصير ، حيث دشن فصول مجموعته المُشَكلَّة من 90 نصا بقصص تنماز بالقصر ، يمكن إدراجها ضمن القصص القصيرة جدا (82 ) نصا ، في حين تعتبر بقية النصوص من نوع القصة القصيرة . ولعل غنى النصوص من حيث الموضوعات ، وعناصر الكتابة وما يميزها من تَبدّل وتنويع يؤكد مدى تمثل الكاتب لأواليات الجنس القصصي ومقوماته الفنية والجمالية بأبعادها الرمزية والدلالية ، وما ترتهن إليه من رؤية تجمع الحس الإبداعي ( قاص وشاعر ) والمقدرات والكفايات النقدية ( قارئ حصيف ، وناقد مقتدر ) ساهمت ومكنت من خلق قصص موسومة بنزعة تجديدية أثرت نصوص الأضمومة القصصية فغدت أكثر عمقا وتنوعا . فإلى جانب البناء القصصي المستوفي لعناصر السرد الأساسية من حوار خارجي في مثل : ” قال بنبرة ساخرة … قلت دون تردد وبتهكم … ” ص 22 ،وداخلي ( مونولوغ ) : ” قلت لنفسي : لابد أن تكون مميزة ؛ لم يسبقني إليها أحد . ” ص76 ، واسترجاع ( فلاش باك ) : ” كنا نضحك من شغبنا الفاضح باسترجاع القصة التي نسخر من أحداثها … ” ص 11، فضلا عن الشخوص والوقائع وما شابها من طابع لا يخلو من سخرية وغرائبية ، كما أن هناك موضوعات تتوزع بين الديني : ” لأجد نفسي في المسجد لا أكاد أبارحه … ” ص 35 ، وما يرتبط به من طقوس وشعائر كالدعاء : ” يا الله !شكرا لك أن استجبت لدعائي !” ص86، وتحية المسجد : ” وصل قبل الأذان بقليل ، فصلى تحية للمسجد… ” ص 99 ، وموضوع الفساد المستشري في أوصال المجتمع ، والناخر لمكونات كيانه وأنظمته كما في ” سبل ” : ” فيعدل عن إلقاء اللوم على المنتخبين الذين أهملوا إنارة المكان … ” ص 99، في سلوك غدا مألوفا من ممثلي الشعب بمختلف المجالس من تنصل مكشوف للقيام بواجبهم تجاه الساكنة من إصلاح للإنارة والشوارع والطرق الملأى بحفر تعرقل سير السيارات … مما يعكس رؤية القاص لأعطاب المجتمع وما يعتوره من اختلالات تتطلب الإصلاح والتقويم . ولعل أبرز ما يميز متن الأضمومة الطابع الغرائبي والتعبيري الذي تحفل به أغلب النصوص كما في نص ” نضج” : ” سال منه شيء عجيب ، بعد تفحصه تبين أنه أحلام بدأت في التفسخ .. ” ص 12 ، وما يثيره مشهد الأحلام المتفسخة من غرابة غير مألوفة ، وفي قصة ” استيقاظ ” : ” أنهض متثاقلا وقد فقدت أطرافي .. ” ص 21 ، في تصوير ينأى عما هو معهود يتمثل في النهوض بدون أطراف ، وما يثيره من تأويل وقراءات، وأيضا في قوله : ” وكان السيف المعلق على جدار صدري يضحك ملء رئتيه … ” ص 48 ، فإضافة إلى انزياح العبارة بخلق أوضاع ومشهديات تشذ عن المألوف يتوسل القاص بالعنصر البلاغي متمثلا في استعارة الضحك للسيف ( يضحك ملء رئتيه ) ، والجدار للصدر ( جدار صدري ). لتتوالى في قصص المجموعة مثل ما ورد في قصة ” طعام جنازتي ” : ” عرضت قلبي للبيع … ” ص 121،في مشهد يثير ، إلى جانب طابعه العجيب ، أسئلة حبلى بخلفيات يتقاطع فيها الذهني بالحسي ، وما يمكن أن يسفر عن ذلك من استنتاجات مشرعة على مختلف الاحتمالات والتوقعات ، أو في قصة ” شلل ” : ” ولمحت ظلا يتسرب خارجا من الباب ،أردت ملاحقته فعاقبتني الحروف النازفة .. ” ص 71، حيث يتجاور الظل ، الذي يخرج من الباب ولايفلح في تعقبه إثر معاقبته بواسطة الحروف النازفة … مشاهد بطابع غرائبي يصير معه المتن القصصي أكثر غنى ورحابة وما يستدعيه من جهد في البحث والاستقراء ، مع ما يتطلبه ذلك من عدة معرفية ، وأدوات نقدية لفك شفراته ، وتفكيك بنياته الجمالية ، والخوض في أبعاده الدلالية .
وتشكل ” تيمة ” التحول علامة بارزة ضمن قصص المجموعة كما نقرأ في قصة ” عودة المحكي”:” كان لنسر عظيم يريد أن يتخطفه ، تحول إلى شجرة .. ” ص 27 ، ومثلما تحول النسر إلى شجرة تحول حجم شخص إلى سيارة : ” إلى أن صار في حجم سيارة .. ” ص 13 ، أو يد مكورة : ” فصار يدا مكورة طرقت النافذة … ” ص45 . وللتعابير كذلك ، بجمالية أسلوبها ، وبلاغة صياغتها ، قيمة رمزية جلية في البنية القصصية للأضمومة على مستوى الوصف : ” كان شعرها الفاحم في فوضى لذيذة … ” ص 13 ، والتصوير : ” اشتعلت كل أضوائها فذهبت ببصري .. ” ص67 ،وما تزخر به من إشارات وتلميحات ، وما تفتحه وتنفتح عليه من آفاق بعيدة المرامي ، متعددة المقصديات بحمولات مجازية استعارية : ” تصطدم نظراته بلباس الظلام .. ” ص 99 ، فيغدو للظلام رداءا برمزية متعددة الأبعاد والدلالات ، وفي عبارة : ” بتأوهات توقظ الجبال .. ” ص 85، وما تثيره التأوهات من فعل هائل مستعص عن التصور والتخيل في تأثيرها على الجبال في قوة شموخها وانتصابها بتحريكها عبر إيقاظ ينم عن فيض من معاني ، وسيل من تخمينات . تعابير يتوالى زوغانها ، في أكثر من قصة : ” وأنا أردد سأتشظى ، ليكتمل المعنى ، وأفهمني . ” ص 98 ، في استخدام شاذ عن الأساليب التعبيرية المعهودة ( أفهمني ) بدل ( أفهم نفسي ) ، وإلباسه فعل التشظي ( سأتشظى ) بحمولات تحيل على تعدد متشعب وفضفاض ، وتم توظيف الأفق ، وما يختزله ، كمدى ، من رغبات وأمنيات تؤجج شعور التوق والشوق بإطالة الأحلام المنشودة ، والأماني المأمولة المعلقة على حبال الانتظار: ” فالأفق أمل يبقينا منتظرين.. ” ص 109،أو مصدر غم وكدر : ” الأفق لا يسقط سوى جمر الحزن !..” ص 110 ، ومقابل هذه التعابير المنزاحة لجأ الكاتب إلى الأسلوب الواقعي في سرد أحداث مرتبطة بوقائع الطفولة : ” يدرك جيدا أنني أمتلك سلاحا شديد المفعول يتمثل في تفوقي الدراسي بينما هو لم يستطع مواصلة دراسته إذ بعد ثلاث سنوات تم طرده . ” ص 117، مقارنة تروم المفاضلة مع أحد رفاق الطفولة ، أو مشاكل العمل المرتبطة بمهنة التعليم ، في علاقة موسومة بالتوتر مع مدير سادي و متسلط : ” لم أكن أعبأ بصراخ المدير وشتائمه وتهديداته ، كنت أؤدي عملي بميكانيكية وأنصرف ، مديرا ظهري للرجل الذي لطالما استمتع بسبي وبالاقتطاعات التي كانت تطال أجرتي الهزيلة أصلا .. ” ص 121 . وتعميقا وإغناء لروح التجديد الهادف إلى خلخلة السرد في نمطيته المعهودة ، وأساليبه المعروفة عمد الكاتب إلى إشراك القارئ في عملية التلقي : ” يمكنك أيها القارئ النبيل أن تقلب الورقة … ” ص 81 ، بمد جسور تواصل بين الكاتب والقارئ تكسيرا للعلاقة التقليدية : كاتب / قارئ ، منتج / متلقي بغية خلق آليات تفاعل وتجاذب بين الطرفين . وارتباطا بالقارئ تمت الإشارة إلى أسماء بارزة في مجال الأدب وإلى أشهر منجزاتهم ،مثل الكاتب الإيرلندي صمويل بيكيت ومسرحيته المعروفة في” انتظار غودو” ، والروائي التشيكي اليهودي كافكا الذي يكتب بالألمانية وروايته الشهيرة ، إلى جانب المسخ والقلعة ، المحاكمة : ” فغودو لا يخيب مجيئه … ثم وضعت بين يديه مسرحية بيكيت … ليجد تحتها كتاب كافكا المحاكمة .. ” ص11 ، مما يغني دائرة شخوص المتن القصصي، ويوسع مجريات وقائعه وأحداثه.
فقصص ” تحت خط القراءة ” القصيرة إضافة نوعية لمدونة عبد الرحيم التدلاوي القصصية (أكثر من 10 مجموعة قصصية قصيرة ، و4 مجموعات في القص الموجز: قصص قصيرة جدا ) كمبدع يمتلك مقدرات خلق وتجديد بارزة ، سواء على مستوى الشعر ، أو القصة ، أو النقد صادرة عن رؤية غنية بعناصرها الفنية والجمالية ، متعددة في خلفياتها الفكرية ، عميقة في أبعادها الأدبية مما يكسبها إشعاعا إبداعيا أكثر تنوعا وثراء.
عبد النبي بزازـ المغرب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكتاب : تحت خط الكتابة ( قصص قصيرة ).
ــ الكاتب : عبد الرحيم التدلاوي.
ــ الناشر :
C.E.A.P.E.T Edition Belgique/2023





