*غسان الاستانبولي
يبدو أن قَدَر الشرفاء في لبنان، أن يكونوا دائماً في طليعة من يدافعوا عن وطنهم، ويضحوا، وينتصروا، كذلك يبدو أن إرادة المراهنين، وبالتالي المرتهنين للخارج، لم تزل مُتمسّكةً بهذا الرهان، وبهذا الإرتهان، أقلّه منذ عام 1920، حين أعلن الجنرال الفرنسي غورو عن قيام دولة “لبنان الكبير”، وذلك حين فكّ أربعة أقضية عن دمشق، وألحقها بجبل لبنان، في مُقدمةٍ لإنشاء كانتونين طائفيين، يتبعهما كانتونين آخرين في كلٍّ من بيروت وطرابلس، وليُتابع الرئيس اللبناني الراحل كميل شمعون، الرهان على الأجنبي ضد أبناء وطنه، وذلك حين استعان عام 1958 بالأسطول السادس الأميركي، ليُقاتل فريقاً لبنانياً قومياً، كان يُعارض حلف بغداد المشبوه، ويُناصر الوحدة السورية المصرية، ولم تنتهِ الرهانات ببشير الجميل، الذي وصل إلى قصر بعبدا على ظهور الدبابات الإسرائيلية عام 1982، ولا بحرب تموز عام 2006، ولن تنتهي برهانات أدوات اليوم، مثل سمير جعجع، ووليد جنبلاط، وغيرهما، ممن مازالوا يلهثون خلف جزرة التقسيم الأميركية، واللذين لم يتعلّموا من التاريخ، بأنّ الكلمة الفصل كانت لوطنيي لبنان، في كُلّ المواجهات السابقة. لا يختلف إثنان، على أن المعركة التي تُخاض اليوم على موقع الرئاسة اللبنانية، هي ليست معركةً على كرسيّ، ولكنّها معركةٌ على مصير وطن، فالأميركي ومن معه يريدون رئيساً يُقسّم لبنان، ولهم غاياتهم التي تأتي في مقدمتها المصالح الإسرائيلية، وذلك بجعل لبنان محميّة، أو محميات إسرائيلية، من خلال القضاء على كلّ من يعمل على إزعاج “إسرائيل”، عبر الحدود الفلسطينية اللبنانية، ومن ثم محاولة إحياء مشروعهم القديم بجعل الجنوب اللبناني وطناً بديلاً للفلسطينيين، وبذلك يكون لبنان هو الخنجر الصهيو أميركي في الخاصرة السورية الرخوة، ولتحقيق هذا الهدف لم تدّخر الإدارات الأميركية المتعاقبة جهداً، ولم تستثني وسيلة، ومتابعةً لتلك الجهود والوسائل، يُلاحظ في الفترة الأخيرة أن الإدارة الحالية هي بصدد الانتقال إلى خطّة عملٍ جديدةٍ في لبنان، تختلف عن خطّة العمل الإعلاميّة والتهويليّة التي عملت بها منذ سنوات، والتي لم تعطِ أيّة نتيجة، والواضح أنّ الخطّة القادمة ستعتمد على العمل الأمني، الذي سيوتّر الشارع اللبناني، وبالتالي يدفعه للمطالبة بالتخلّص من الحزب ومن معه، وبطبيعة الحال هذه الخطّة استُخدمت سابقاً ولم تحقّق هدفها، ولنأخذ بعض المؤشرات التي توحي بتبدّل الخطّة الأميركية:
• اختيار ليزا جونسون لتكون سفيرةً أميركيةً في لبنان، وهي المعروفة بالعقل الأمني والعسكري البعيد عن الإعلام، بعكس السفيرة السابقة دوروثي شيا، التي كانت تعمل بعقلٍ دعائيٍ وإعلامي، مُبتعدةً عن العقل الأمني والعسكري.
• الإسراع في إنجاز السفارة الأميركية في ضاحية “عوكر”، التي تبعد حوالي 14كم عن مدينة بيروت، حيث مقر السفارة الحالية، والمُلفت أنّ البناء الجديد صُمّم ليكون قاعدةً عسكرية، أكثر من أن يكون لسفارةٍ ذات طابعٍ سياسيٍ وإداري، وذلك من حيث مساحته البالغة أكثر من 210 ألف متر مربّع، ومن حيث تحصينه، وتجهيزه بمخازنٍ للسلاح وللذخيرة، وبمهابطٍ للطائرات.
• العرقلة الأميركية للمفاوضات الخارجية، التي تقودها كلٌّ من فرنسا والسعودية، بخصوص موضوع الرئاسة، والتي تشارك فيها دولٌ أخرى.
• فجأة، وبقدرةٍ أميركية، توحّد كلّ الأتباع خلف المُرشح جهاد أزعور، ولكلّ تابعٍ سعره وعصاه، أمّا المفارقة فتكمن عند النواب التغييريين، الذين نزلوا إلى الشوارع في “ثورة” 17 تشرين الأول/اكتوبر عام 2019، وذلك بأمرٍ أميركي وكان هدفهم المُعلن هو محاربة الفساد، والآن تناسوا أن الأزعور هو ركنٌ من أركان الفساد في لبنان، وخاصّة عندما كان وزيراً للمالية في حكومة فؤاد السنيورة، بكلّ الأحوال فالجميع يعرف أن ورقة الأزعور التي احترقت لم تكن إلّا ورقة فتنة، لأن حسابات الأميركي وأزلامه، بُنيت على أن يحصل الأزعور على النصف+ 1، من أصوات النواب في الدورة التي عقدت اليوم 14 حزيران/يونيو، وهي نسبةٌ لا توصله للكرسي، ولكن المشرّعين جاهزون لإيجاد تشريعٍ يُكرسه رئيسا،ً وهذا ما سيرفضه الفريق الآخر، لأنه تشريعٌ غير دستوري، وبالتالي ستنزلق الأمور إلى أماكن خطيرة، أما وقد احترقت هذه الورقة، فقد يلجأ الأميركي إلى طرح أسم قائد الجيش العماد جوزيف عون، كونه الوحيد القادر على زجّ الجيش اللبناني ضدّ الحزب، ولكن ترشيحه أمرٌ بالغ الصعوبة كونه يحتاج إلى تعديلٍ دستوري، كما حصل مع الرئيس الأسبق ميشال سليمان، وهذا التعديل لن يتمّ بلا خَضّةٍ أمنية، كما حصل في 7 أيار/مايو عام 2008، ولكن ظروف اليوم مختلفة، وبالتالي فإن الحزب لن يعيد تجربة الموافقة على رئيسٍ يطعنه في الظهر.
وخلاصة القول، فإنّ الأميركي قد يكون اعتمد هذا التغيير كحالةٍ من حالات اليأس، فمن غير المعقول أن يغيب عن ذهنه عاملٌ في غاية الأهميّة، وهو أنه عندما أسقط وطنيو لبنان المشاريع الصهيو أميركية السابقة، أسقطوها برغم عريّ صدورهم، وبرغم قلّة حيلتهم وحيلة حلفائهم، أمّا اليوم، فصدورهم حصينة، وظهورهم مسنودة، وقبضاتهم قويّة، وغداً كلامٌ آخر.
* كاتب وباحث سياسي سوري





