الذِّبْحُ العَظِيم الذي حرر الإنسان من براثن التضحية بالإنسان.. في دلالات الذبح والنحر وسياقاتها العامة
* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَارْ
معاني ودلالات وابتلاءات؛ وعبر عيد الأضحى المبارك. «وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. سَلَامٌ على إِبْرَاهِيمَ.» وقوله تعالى: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ.»
ماذا يقصد بمفهوم الذبح؟ وماذا يقصد بمفهوم النحر؟ وماذا يقصد بمفهوم العقر؟
في تحليل هذا الموضوع المركب الذي قد يبدو مألوفًا؛ ننطلق من قول عميق الدلالة لفضيلة الدكتور أبو يعرب المرزوقي: «اليوم عيد تحرير الإنسان من التضحية بالإنسان. وهو بداية وعيه بتكريمه خليفة يشرئب لمثاله الأعلى الذي هو جوهر الإيمان رمزًا إليه بأسئلة إبراهيم. وهي أفضل لحظة من تاريخ الأمة للبحث في شروط استئنافها. هذا الاشرئباب للتحرر من الغرق فيما ألهاها عن أهليَّة للخلافة طالت غيبتها عن التاريخ.”
السؤال: ألم نكن مؤهلين تاريخيًا؛ ونحن «خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» للخلافة في الأرض بمعانيها القيمية والإنسانية!؟
التمرد على سردية: أين نحن من هؤلاء!؟ ومقولة: (ساداتنا العلماء الأوائل ما تركوا شيئًا للآخرين والتاليين يمكن أن يُعاد.) وهي مقارنات وسع عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْض؛ مع أنه سبحانه وتعالى يشير إلى مبدأ: (لَيْسُوا سَوَاءً.) ومعناه لا إغلاق لباب الاجتهاد. فقصة رسول الله إبراهيم عليه السلام مع ابنه إسماعيل؛ لا علاقة لها لا بالنحر؛ ولا بالذبح؛ وحتى قوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ.) تدخل في سياق الذبح والنحر بصفة عامة؛ ولا علاقة لها بسن أضحية العيد؛ والمراد به النحر باسم الله وحده لا شريك له؛ بل تدخل في مجال الابتلاء والاعتبار؛ (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ)؛ فهو بلاء شديد ومِحْنة عظيمة. وأحيانا تأتي في مؤاخذة الأنبياء والرسل من قبل الله عز وجل لعدم إتيانهم الأوْلى؛ ونبي الله يونس عليه السلام؛ واحدًا منهم. يقول تبارك وتعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ.﴾ وأيضًا: (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ.) حيث دعا قومه ثلاثاً وثلاثين سنة؛ إلّا أنّه لم يؤمن معه سوى رجلين من قوم (نينوى) الذين بُعِث فيهم؛ ولذلك شعر باليأس والإحباط من قومه؛ فضاق بهم ذرعًا وبعنادهم؛ فتركهم وخرج من بلدتهم. وبمجرد مغادرته البلدة؛ حل بقومه العذاب؛ الذين استغفروا ربهم وتابوا في غياب نبيهم يونس.
لكن من سوء حظ وطالع؛ نبي الله يونس أن تقع عليه القرعة ثلاث مرات؛ بعدما تمايلت السفينة وكادت تغرق؛ إلا بتخفيف حمولتها برمي أحد الركاب في البحر؛ (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ.) ومعنى مُلِيمٌ؛ أنه لمْ يأت عدم الأولى؛ ومعناه قام بفعل يستحق أن يلام أو يؤاخذ عليه؛ وهو مغادرته القرية؛ دون التحلي ب: الصبر؛ وتجنب الاستعجال؛ وتجنب الغضب؛ والتمسك بالتسبيح. وكذلك لمَّا فَرَّ هاربًا؛ (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) وبعدما لفظه الحوت من بطنه: (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ.) (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لن نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.) والآية العظيمة فيها اعترافين كبيرين من طرف نبي الله يونس: أما الأول فهو الأعظم؛ ويتجلى في الاعتراف بألوهية الله تعالى ووحدانيته. في حين؛ الثاني هو: الاعتراف بالذنب والتقصير والخطأ. فالأول يدل على تمام العبودية لله رب العالمين. والثاني يدل على قوة الإيمان والرغبة في تطبيق العبودية تطبيقًا صحيحًا بتفادي تضخم الأنا والتنازل عن الغرور، والتوقف عن التمادي في العصيان والرغبة؛ بل العزم في الطاعة والإخلاص والاستقامة لله تعالى.
انطلاقًا من فرضية: لا وُجود لترادفات في القرآن أساسًا؛ بحيث الجهاز المفاهيمي والمعرفي في القرآن الكريم يتطلب نوعًا من الدقة والإلمام حتى لا تصيب قومًا بجهالة. وبالتالي مفهوم الذبح؛ ليس هو مفهوم النحر. وحتى إذا كانت كلمات مترادفة المعنى؛ إلا أنه في القرآن تستخدم بمعنى معين. فالذبح يتم عن طريق قطع في العروق الموجودة في منطقة الرقبة محاذاة الرأس؛ خاصة بالنسبة للحيوانات ذات الرقبة القصيرة مثل الغنم والماعز. أما النحر فيتم عن طريق طعن الحيوان أسفل الرقبة عند التقاءها بالصدر؛ خاصة بالنسبة للحيوانات ذات الرقبة الطويلة مثل الإبل. وبالنسبة للناقة دائمًا يستخدم القرآن العقر ولم يقل فذبحوها، بل فقتلوها: والعقر في اللغة العربية معناه القطع وقد يأتي بمعنى الذبح أيضًا.
لكن لماذا قال ربنا سبحانه: انحر؟ ولم يقل ضحي أو اذبح؟ النحر في اللغة العربية يحيل إلى نحر الإبل فقط؛ ولا يستعمل الفعل مع غير الإبل؛ مثل الماعز والخروف. أما الذبح: يقال ذبح الشاة. وقد يستعمل الذبح للجميع: للبقر والطيور والشاة والإبل؛ لكن النحر خاص بالإبل فقط؛ لأنها تنحر من نحرها. فأراد الله سبحانه وتعالى أن يتصدق بأعز الأشياء عند العرب. فلو قال اذبح لكان جائزاً أن يذبح طيراً أو دجاجة… إلى غير ذلك. ومعروف أن الإبل من خيار أموال العرب. وبما أن الله تعالى أعطى رسوله الخير الكثير والكوثر؛ فلا يناسب هذا العطاء الكبير أن يكون الشكر عليه قليلاً؛ لذا اختار الصلاة والنحر وهما أعظم أنواع الشكر. كما يرى أحد فطاحلة اللغة العربية فضيلة الدكتور فاضل صالح السامرائي في لمسات بيانية في القرآن الكريم.
ويتساءل أيضًا ويقول: لماذا لم يقل وضحي؟ ويرى أن الأضحية هي كل ما تصح به الأضحية الشرعية فلو ضحى بشاة لكفت. والأضحية لها وقت معلوم؛ وهو أربعة أيام: يوم النحر وأيام التشريق فقط. والله تعالى لم يرد أن يحصر الشكر له على عطائه الكثير بأيام محددة.
هذا وقد اختلف المفسرون بخصوص اقتران مفهوم الصلاة بمفهوم النحر؛ أهي صلاة العيد؟ أو عامة الصلاة؟ أو خاصة؟ فالدلالة والمعنى في الآية «فصل لربك وانحر.» تمتد لتشمل كل هذه الحالات. ففي العيد يكون النحر بعد الصلاة؛ ولكن الكثير من المفسرين قالوا إنها عامة؛ ويدخل فيها صلاة العيد والأضحية. فإعطاء الكوثر؛ يقابله شكر النعمة؛ والعطاء الكبير؛ يستوجب الحمد الكثير؛ ولذا طلب الله تعالى من رسوله شيئين:
1. الاول يتعلق بالله تعالى وهو الصلاة.
2. والثاني يتعلق بالعباد؛ وهو النحر.
ويضيف فضيلة الدكتور صالح السامرائي؛ أن الصلاة تعتبر أعظم ركن من أركان الإيمان؛ وهو أعلى درجات الشكر لله والنحر. النحر يكون مع التمكن المادي فقط في حين ان الصلاة لا تسقط عن العباد في اي حال من الاحوال من مرض او فقر او غيره. وقد وردت الصلاة في القرآن على عدة صور فهي ان كانت من الله تعالى فهي رحمة، ومن الرسول دعاء، ومن العباد عبادة وقول وفعل وحركة الصلاة. وكلما ورد ذكر الصلاة والزكاة في القرآن تتقدم الصلاة على الزكاة لأنها أعم وأهم.
في استحضار ركن الحج في قصة رمي الجَمَرات بين نبي الله إبراهيم عليه السلام؛ وإبليس لعنه الله؛ تتجاوز مسألة العقدة الشيطانية (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ)؛ وإهانة وتحقير إبليس وإظهار مخالفته الشهيرة لأمر الله حين: «قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ!؟» حيث رماه بسبع حصوات في هذه الأماكن المقدسة التي يقوم الحجاج فيها برمي الجمرات؛ لما حاول أن يغريه ويغويه ويصده عن تصديق الرؤيا؛ القاضية بذبح ولده إسماعيل عليه السلام؛ إلى حِكمة عظيمة؛ وهي التضامن والاحتشاد على رمي الظالمين والطغاة والمستبدين والفاسدين؛ بالحجارة؛ لجَعلهمْ كَعَصْفٍ مأْكُول.
أمَّا الشيطان فلا وجود له بتلك الأماكن المقدسة والمعظمة. وهنا ندرك الفرق بين قَرْيَةٍ ظَالِمَة؛ والْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا كما جاءت في القرآن الكريم. فالْقَرْيَة الظَّالِمة؛ بطبيعتها وتربتها ووديانها الغَيْرِ ذوات زَرْع؛ وليس فيها من الرزق؛ ولا من الثَّمَرَات؛ ومناخها القاسي؛ وتسمى أيضًا بالمناطق الطاردة بحكم طبيعتها. أمَّا الْقَرْيةُ الظَّالِم أهلهما؛ فهي التي يسود فيها الظلم والاستبداد والاعتداء والشطط والتعسف. وقد شخص عبد الرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» أن سبب هذا الداء يتمثل في الاستبداد السياسي بأنواعه الكثيرة، وصوره العديدة والمتعددة والمتنوعة؛ ومنها: استبداد الجهل على العلم؛ واستبداد النفس على العقل. ويرى: “إن الله خلق الإنسان حرّا؛ قائده العقل؛ فكفر وأبى إلا أن يكون عبدًا قائده الجهل. ويرى إن المستبد فرد عاجز، لا حول له ولا قوة إلا بأعوانه؛ أعداء العدل وأنصار الجور. وأن تراكم الثروات المفرطة، مولِّدٌ للاستبداد، ومضرٌ بأخلاق الأفراد، وأن الاستبداد أصل لكل فساد.”
وفي القرآن الكريم؛ الْقَرْيَة الظَّالِمِ أَهْلُهَا والْقَرْيَة الظَّالِمة؛ نلاحظ هذا الجمال والتشريف والتعظيم في تقدير مكة المكرمة في القرآن؛ المكان الوحيد في الأرض الذي لم يصفه الله سبحانه تعالى؛ بالظلم؛ في كل آيات القرآن.
وبالتالي الإنسان مطلوب فيه إعمال العقل والحس النقدي. فالتفكير الناقد؛ هو حارس على بوابة العقل. في كتابه (التفكير النقدي مدخل في طليعة المحاجة وأنواعها) لفضيلة الدكتور عمرو صالح ياسين؛ يرى ان الدور الأساسي للحارس؛ هو عملية التقويم. فالعقل الناقد ليس ساذجًا؛ يأخذ الكلام على عواهنه؛ فهو يحسن التقويم للادعاء؛ قبل أن يسكن العقل؛ وقبل أن تخرج منه أيضًا؛ من خلال القيام بعمليات: التعريف، والبرهان؛ وتقييم الادعاء. وهؤلاء أصحاب العقل النقدي؛ يتميزون بشبكة من المستقلات العقلية تجعل لديهم قدرة على التمييز من خلال حرَّاس بوَّابة العقل لتحريره من براثِنِ الهيمنة والسطو والاستلاب والاستغراب. والتفكير النقدي لا يكتفي بحراسة وتصفية كل ما يحاول الدخول إلى عقل الإنسان؛ لكن أيضًا هو الحِرص على كل ما يخرج من العقل ويتلفظ به اللسان وإخضاعه للتصفية والغربلة قبل الخروج.
في انتكاسة الفلسفة في العالم العربي الإسلامي؛ حيث إدانة الفكر الفلسفي مبكراً في الوجدان العام للعقل المسلم؛ وملأ الفراغ الفقيه ومشايخ العصر -الذين لا سلامة في فتواهم لا فكرًا ولا شرعًا- عبر النظر الجزئي والنظرة الضيقة؛ فاكتسب المجتمع صفتين: إهمال النظر الشمولي والكلي؛ والتركيز على الجزئي. فأصبحنا أمام عقول صممت وبُرمِجت فقط على الجواب؛ وتغييب السؤال بسبب العداء والكراهية للفلسفة. وفي هذا الصدد نستحضر قول المَوْصِلِي (توفي سنة: 643 هجرية) حينما سئل عن رأيه في الفلسفة والمنطق؛ حيث قال: «الفلسفة أسُّ السّفَة والانحلال. ومادة الحيرة والضلال. ومثار الزيغ والزندقة. ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين. ومن تلبس بها قارنه الخذلان والحرمان. واستحوذ عليه الشيطان.» مقتطف من كتاب التربية الإسلامية في مرحلة الدراسة الثانوية -المغرب- وبالتالي ضاع استواء الفهم؛ وغاب بناء الاستشكال والاستيضاح والرفض والقبول؛ وضاع معه السؤال والمنهج.
وبالمحصلة؛ العقل الذي لا يتمتع بدرجة عالية من العقلانية؛ يفتقد للفاعلية. والعقل الذي لا يعطي أولوية كبرى للفهم؛ ولا يحمل الأقوال على أفضلها؛ يسيء فهم الآخرين؛ ويركز على جزيئيات صغيرة وثانوية؛ فيستحيل ويتعذر معه استيطان واستنبات المعرفة. فحينما نجد هذه الفقرة في مقررات دراسية رسمية: (الفلسفة أسُّ السّفَة والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين، ومن تلبس بها قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان.) فلا غرابة إذا وجدت الإعاقة الذهنية وعدم القدرة على بلورة أسئلة ابستمولوجية لدى التلاميذ والطلاب.
وبالتالي تمت بلورة تعليم فاشل يختزل الفلسفة في الزندقة، فأجهضت روح طرح السؤال والقدرة على بلورة المنهج والأفكار والخلق والإبداع لردح من الزمن، كان السبب الرئيسي في انتكاسة مجال الاجتهاد والعلم والمعرفة.
الفيلسوف الألماني (هابرماس) في كتابه: «نظريّة الفعلِ التواصلي» يرى أن شعوب العالم غير متواصلة فيما بينها؛ والتواصل يتم بين الحكَّام فقط. وبالفعل؛ تجد شعوب بلد ما يسبون ويشتمون وينتقدون ويبخسون وينتقصون من شعوب بلدان أخرى؛ لم يسبق لهم أن رأوهم يومًا؛ ولا يعرفونهم حتى؛ ولا يستطيعون تحديد مكانهم أين يوجدون على خريطة الكرة الأرضية..!
ينطلق “يورغى هابر ماس” في نظريته الفعل التواصلي مما يسميه “المصلحة العملية”؛ حيث تعتبر اللغة من أهم الوسائل للتواصل والتفاعل بين الناس والتي تحدد طرق فهمنا لبعضنا البعض في إطار التنظيمات الاجتماعية. ويذهب إلى أن البنيات الاجتماعية تنبني على التفاعل القائم على الخداع والتضليل بشكل منظم من أجل تحقيق مصالح معينة؛ من خلال الوعي الذاتي بما نفعل وانطلاقا من قواعد التواصل المقبولة اجتماعيًا.
وحول قضية العقل والتعقل في القرآن الكريم؛ كتب فضيلة الدكتور جاسم سلطان: «قضية عمل الموازنات (التقدير). تأتي قضية في غاية الأهمية، وهي أن الحياة تبنى على موازنات كثيرة، فقد علمنا القرآن الكريم هذه القضية في قصة الخضر، وقصة الخضر في القرآن الكريم هي قصة “العبد الصالح” مع سيدنا موسى عليه السلام، وهي في جوهرها واضحة جدًا حيث إنها تتجه إلى قضية الإشارة إلى أن علم الإنسان قاصر، وأن الإنسان ينظر إلى هذا الكون وما يدور فيه من أحداث من الظاهر فقط دون الباطن، ويروي لنا القرآن قصصا معينة فيها رمزية كبيرة جدا لهذا العبد الصالح، فلا نعلم أين ومتى ومن هو؟ – رغم كل ما يحيط بهذه المسألة من التخرصات في كتب التفسير- لكن في الحقيقة هي فقط إشارة إلى الغرض الأساسي منها وإهمال كل هذه التفصيلات والتركيز على الموضوع الرئيسي.
فالخضر يقوم بموازنات معينة في داخل المشهد نتيجة العلم الذي علمه الله سبحانه وتعالى إياه، وأما موسى عليه السلام بما أنه ليس عنده المعلومة نفسها، فقد استغرب من هذه الموازنات، رغم أن القصة تتجه ببنيتها للرضا بأقدار الله سبحانه وتعالى عندما تحدث، والتفكر أن هناك أبعادًا لا يعلمها الإنسان، فأكيد أن أصحاب السفينة غضبوا لما خرقها الخضر، وضاقت صدورهم، وذهبوا إلى قومهم يفكرون في رزقهم كيف سيأتي، ولم يعرفوا نفع العملية التي تمت إلا بعد أن جاء الملك لأخذ السفن.
وأكيد أن والدي الغلام الذي قتله الخضر قد حزنًا شديدًا على فقدانه، وأنهما كانا يتخيلان مستقبله، وولادته، وحياته لو كبر بينهما، ولو زوجاه كيف كانت ستكون حياتهما سعيدة معه. وهما لا يعلمان ما الذي تخبئه الأقدار لهما، لكن لهما أمرا كانا يريان فيه خسارة كبيرة، لكنه في الحقيقة كان مكسبًا كبيرًا. وغالب الظن أن هذين الأبوين بقيا سائر حياتهما يتأسفان على قتل الفقيد، رغم أنهما عوضا عنه، وهما لا يعلمان أن أقدار الله سبحانه وتعالى جنبتهما مشكلة كبيرة.
وهو نفس الشيء في قصة نبي الله إبراهيم مع ابنه اسماعيل الذي انتظره بفارغ من الصبر؛ بل تزوج بخادمته هاجر من أجل الانجاب بعدما كانت زوجته سارة عاقر. ولنتصور كم كانت فرحته وهو الذي طالما صبر وانتظر غلاما حتى بلغ معه السعي؛ ليأتي أمر الله سبحانه من أجل التضحية به.
والأطفال الذين وجدوا الكنز تحت جدار البيت الذي أقامه الخضر وسيدنا موسى عليه السلام، فهم لم يكونوا يعلمون من الذي فعل ذلك، لكن الله سبحانه وتعالى قدر لهم خيرا في مستقبلهم وفي حياتهم.
في هذه القصة موازنات كبيرة جدا، ففي قصة السفينة بالذات سنجد عندنا موازنة بين قضية أن يتم خرق صغير في السفينة فتصبح معابة وأهلها يتألمون نتيجة الحدث الذي جرى، وبين قضية إنقاذ السفينة من يد الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبًا، فهنا موازنة ما بين مفسدة صغيرة و مفسدة كبيرة جدًا.
فالقرآن الكريم في المنطق العقلي يعلمنا مثل هذه الموازنات الكبيرة، ويعلمنا قضايا متعلقة بتوازنات مثل (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)، فمال اليتيم أمانة عند الذي يربي اليتيم، لكن القرآن يقدر أنه من التوازنات؛ فربما يكون هذا الإنسان الذي يكفل اليتيم أيضًا فقيرًا وعنده مال كثير لليتيم الذي يرعاه، ولعل نفسه تحدثه بأن يأخذ من هذا المال لينفق على نفسه بحيث يستطيع أن يعتني بهذا الطفل اليتيم؛ وبالتالي يقول القرآن الكريم (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.)، يعني بالرفق، حتى لا يستنزف المال الذي ترك لليتيم.
وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة مراعاة للتطور الاجتماعي؛ يقول لها: (لولا أن قومك حديثو عهدٍ بشركٍ، لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين: بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، ولزدت فيها ستة أذرعٍ من الحجر، فإن قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة).
ففي هندسة القضايا الاجتماعية؛ لا وُجود لعملية حسابية: 1+1=2؛ لأنه أحيانًا نحتاج إلى عملية توازن لاستيعاب المتناقضات المجتمعية في معادلة درء المفاسد على حساب جلب المصالح. وفي رواية أخرى “لولا أن قومك حديثو عهدٍ بكفرٍ لهدمت الكعبة ثم أعدتها على أساس إبراهيم.”
إذن هناك موازنات في الحياة يتعلمها الإنسان المؤمن والقرآن الكريم يشير إليها، لأن القضايا ليست دائما 1 + 1 = 2 فأحيانا تحتاج إلى قدرٍ من الموازنات بين المصالح والمفاسد.
والخلاصة: هذه قضايا في غاية الأهمية بالنسبة للقرآن الكريم، حيث يعرضها علينا شيئًا فشيئًا حتى نعرف أهمية العقل والتعقل في كتاب الله عز وجل.»
*مفكر وكاتب من المغرب





