الدكتور محمد الخمسي
مفكر استراتيجي وراصد اجتماعي مغربي
من خلال سؤال حول الجدية التي وردت في الخطاب الملكي؛ والتي طرحت للنقاش في برنامج ديكريبتاج الذي يتم فيه تناول القضايا الوطنية عبر إذاعة (MFM) وموقع (برلمانكوم)؛ تناول الأستاذ محمد الخمسي؛ أستاذ التعليم العالي؛ وكعضو في فريق البرنامج؛ مفردة الجدية. تلك الكلمة المحورية، والقلب النابض في خطاب العرش لسنة 2023؛ وكانت مساهمته كالتالي:
سأتناول هذا المصطلح) أي الجدية من زاوية الإعلام؛ بمعنى بعض تجلياتها إذا أردنا الحديث عن الجدية في الإعلام العمومي؟
في سوق الإعلام العالمي؛ لا يمكن أن يتابع المغاربة إعلاما يعاني من العجز وتنقصه الكفاءة، وغياب المصداقية؛ ونحن في زمن يعيش منافسة شرسة. ليس حول المعلومة فقط؛ أو حول قراءتها وتحليلها فحسب؛ بل نجد حرب الشائعات، والأخبار الزائفة، وحرب المعلومات، وعمليات التشويش والتضليل. أيضًا نحن أمام حرب ثقافية وأمام معركة صناعة الرأي العام، والرأي العام المضاد.
باختصار شديد؛ نحن أمام معركة الثقة، ومعركة بناء الجبهة الداخلية، ومعركة المصالح وتماسك الجبهة الداخلية؛ وخاصة المصالح الوطنية. وهنا تكمن الجدية من عدمها في الإعلام العمومي.
هنا يجب أن نقف أمام كلمة الجدية ونربطها بالإعلام؛ لما قال جلالة الملك في خطاب العرش: «إن المغاربة معروفون بالجدية والتفاني في العمل.» ومعنى ذلك أن هذه المفردة تبني أرضية المستقبل.
نحن أمام إعلام يجب أن يكون في مستوي استمرارية دولة الأمة. ومن هنا يحق طر ح بعض الأسئلة:
⁃ أين هو إعلام المؤسسات؟
⁃ أي إعلام يعمق مفهوم الأمة التي لها جذور تاريخية كما أشار إليها خطاب العرش؟
إن الجدية تقتضي من الإعلام العمومي؛ أولًا و قبل أي إعلام آخر:
1. رؤية استراتيجية تقوي الأبعاد.
2. دعم الثقافة المغربية وخدمتها.
3. بناء الوعي الوطني.
4. تقوية الحس وروح الوطنية.
إن الجدية شرط لتحقيق إعلام يعتمد على الكفاءات، والقدرة على الإبداع، وهامش معقول من الحرية.
إن الجدية وسيلة لتحقيق إعلام يشجع الكفاءات والمبادرات، ويساهم في تعريف المغاربة بعضهم لبعضهم.
وهنا نستحضر تحديًا كبيرًا من خلال سؤال محوري:
• أين المواضيع التي تنمي الروافد السبعة للهوية المغربية المشارة لها في الدستور؟
• أين المواضيع التي تساهم في بناء السياحة الداخلية، وتقرب المجال الجغرافي والثقافي وخصوصيات لكل المغاربة؟
• أين هو تشجيع السفر لبعضهم إلى بعض واكتشافهم بعض لبعضهم؟
• أين هي السنيما التاريخية للمغرب؟ وأين المشروع الوثائقي؟
• أين هي الشخصيات والرموز الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية؟
لا بد من نقاش عمومي حول خيارات إعلامية بكل مصداقية وشجاعة.
• أين البرامج الرياضية التي تنفذ إلى العمق وتواكب الإنتصارات المغربية؟
الإعلا م الذي يتحسر على هزيمة ألمانيا ولا يقيم برنامج يحلل فيه الأبعاد الثقافية والسياسية والاقتصادية، وبكل ما يتعلق بكرة القدم؛ وهنا نتساءل عن خطه التحريري؟
إعلامنا يحتاج إلى روح تحديات؛ تحدي الانصات؛ والتواضع؛ إذا أراد القدرة على المنافسة وعلى استقطاب المغاربة؛ وليس طردهم إلى القنوات الدولية مكرهين.
نحتاج إلى إعلام يواكب الأوراش الاجتماعية والاقتصادية؛ يعني إعلام القرب الذي يهتم بقضايا المواطنين والوطن.
نحتاج إلى إعلام يساهم في دفع نسب الوعي الجماعي؛ والوعي الجماعي مهم، يمر عبر القنوات الإعلامية وبناء الجسور واللحمة.
نحتاج إلى الإعلام الذي يحمي من التطرف والإرهاب؛ ولكن في نفس الوقت لا يعاني من الفراغ؛ فراغ القيم والأبعاد الروحية.
الحاجة إلى إعلام يهتم بخمسة ملايين من مغاربة العالم، من خيرة أبناء هذا الوطن، يتمتعون بإمكانات هائلة ومستويات عالية.
إعلام يواكب القرن العشرين، ويكون في مستوى الخطاب الملكي الذي عندما أشار إلى الجدية، فقد أشار إلى الارتقاء بتنمية مسارها؛ ومرحلة جديدة تفتح آفاق أوسع من الإصلاحات والمشاريع الكبرى التي يستحقها المغاربة.
إذن لا بد من إعلام تكون فيه روح الجدية، وفي مستوى المستقبل، وليس إعلامًا يعيش على ماضٍ متكلس وجامد، يجعل المغاربة يفرون من الإعلام الوطني فرارًا مكرهين فيه.





