قول وقول موازي..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدكتور محمد الخمسي
المفكر الاستراتيجي والراصد الاجتماعي المغربي.

 

 

أنفق المغرب منذ الإستقلال إلى اليوم، ملايير الدراهم على قطاعات تعد شريان الحياة في الدولة، ومنها:
1. تكوين الأطباء: وبدل أن يتم الإنصات إلى قولهم، يتم الإنصات إلى دجال يعتمد أدوات الخداع ويوظف لغة ومفردات عاطفيّة بطابع ديني. وهكذا نشا لدينا قول علمي في مجال الصحة الى جانب قول موازي خرافي دجال يهلك صحة المواطنين.
وهنا تكمن المخاطر والانحرافات في بعض الاهتمامات، ومنها ما سموه “الطب النبوي”
الطب النبوي؛ هذه مفردة أنتجت في التاريخ، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يضع عنواناً اسمه الطب النبوي. فهو مجرد تركيب في اللغة. لكن المصطلح مع عامل الزمن ينحت ويسطو على العقول ويهيمن؛ عليه أي أن كل طب خارج عن هذا العنوان، هو طب غير نبوي. هذا من ناحية الشعور والإحساس. وهنا يطرح الإشكال إلى أين سيؤدي بنا ذلك؟
2. أنفقت الدولة ملايير الدراهم على تكوين المهندسين في قطاع الفلاحة والزراعة والبيطرة، وبدل الإنصات إلى ما يقترحونه من حلول، سواء في مجالات السقي والري أو انتقاء أنواع البذور أو أنواع المغروسات والأشجار أو أنواع العلف… أو طريقة عصر الزيتون، وطرق التخزين… وغيرها؛ تم اللجوء إلى توظيف تجارب قديمة، قليل منها ما يستفاد منه، وهي خبرة معتبرة لا تحتاج إلى المزايدة وإذا فهم القصد “لا أحد ضد ما تبين بالتجربة نجاعته ولو عجز العلم عن تفسيره”.
حين نتحدث عن قول الحاج: (فلا شرعية لديه في الموضوع؛ اللهم السن والحج وشساعة ما يملكه من أراضي) أو فلان ابن مقاوم أو شيخ زاوية فلانية؛ لهم آراء أو طرق لم يتم إثباتها علمياً، ولم تخضع للتجربة والاختبار، فقط نسب القبيلة أو العصبية أو الوجاهة الاجتماعية أو وجود ثروة، والهالة والأبهة الاجتماعيّة؛ بمعنى: “سلطة رمزية” تجعل قولهم يلغي العلم والتجربة، وهكذا أصبح لدينا قول علمي في الفلاحة والزراعة وتربية الماشية والسقي…. يوازي قولاً غير مجدٍ في شيء، فقط له تفوق وسلطة القديم.
لذلك نحتاج إلى إعادة ترتيب العقل؛ من أجل فهم سلطة الواقع؛ وسلطة القديم؛ وضغط المستقبل.
3. أنفقت الدولة منذ الاستقلال ملايير الدراهم على تكوين رجال ونساء التعليم، لكن يأتني اليوم أب أو ولي أمر جاهل أو أم جاهلة لم يضعوا قدميهم في مؤسسة تعليميّة، ناهيك أن تكون لهم معرفة بقواعد التعليم والتربية، ليقدموا النصائح والفتاوي في علم الإدارة التربويّة وما يجب القيام به وما يمنع القيام به، وما يجب تدريسه وما يمنع تدريسه..!
فالفن سواء كان يتعلق بالرسم أو الموسيقى أو المسرح… هي مواد خارج التربية والتعليم في نظر هؤلاء. وهكذا نعيش قولاً علمياً تربوياً تعليمياً، إلى جانب قول متخلف لا علاقة له بالتربية والتعليم.
(…)
يمكن أن نسرد الكثير من القول والقول الموازي، لأن القائمة طويلة جداً، وتشمل معظم مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية…
* الخلاصة
نجر معنا ثقلاً تاريخياً اسمه: القول الموازي، الذي يلغي جهود العلم والتقدم أو جهود غربلة التجارب وتنظيمها، بحيث يستفاد منها كخبرة أو كتجربة.
العديد من علوم ساهم في تطويرها سكان هذه الأرض، من خلال التراكم والاحتشاد، ونحن لا نستفيد منها على الوجه المطلوب؛ لأننا نعيش بالقول الموازي لها.
ومن علامات القول الموازي جملة: “متفق معك، ولكن.” توظيف ”لكن” الناسفة للكلام؛ لا للفهم والاستدراك للقول الموازي.
لنا فرصة أخرى حول القول الموازي في وظيفة ومهام الإدارات؛ حيث القول الموازي بين التخصص الإداري وقول: (السمسار.)

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...