عصر الصراع الدولي على المعادن النفيسة!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدكتور محمد الخمسي

 

 

– قصة المعادن النفيسة؛
مطلع القرن العشرين، كان يحكمه الصراع على مواقع النفط والغاز، أما مطلع القرن الواحد والعشرين، فهو قرن الصراع على المعادن النفيسة، لأنها مواد أساسية للصناعات الإستراتيجية. وبناءً على مقال لجريدة الغارديان، تناولت فيه سؤال المعادن النادرة في أوكرانيا ولماذا يريدها ترامب؟
لم يعد خفياً عن العالم بأن الولايات المتحدة تقترب من توقيع اتفاقية المعادن النادرة مع أوكرانيا، فيما نقلت صحيفة (وول ستريت جورنال) عن مصادر مقربة من صناع القرار، أن الولايات المتحدة وأوكرانيا قد توقعان اتفاقاً بشأن المعادن، أمر أكده (زيلينسكي) بالقول: “إن الفرق الأوكرانية والأميركية تعمل على مشروع اتفاق بين حكومتينا، وآمل التوصل إلى نتيجة عادلة.”
كان (زيلينسكي) قد رفض المحاولة الأوليّة التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية لاحتكار المعادن الحيويّة لبلاده كدفعة أولى للمساعدات العسكريّة والاقتصاديّة المستمرة بسبب حربها مع روسيا، ولكنه بدأ يستسلم بالتقسيط.

العناصر الأرضيّة النادرة مكونة من 17 معدنًا حاسمًا تُستخدم في الهواتف المحمولة والسيارات الكهربائية وأنظمة توجيه الصواريخ… وغيرها من الإلكترونيات والتطبيقات الصناعيّة والطاقة ومعظم العناصر الأرضية النادرة ليست نادرة بشكل خاص؛ ولكن استخراجها وتنقيتها أمر صعب ومدمر بيئياً للغاية، مما يعني أن الإنتاج يتركز في أماكن قليلة جداً، وتحديدا في الصين.
وحسب صحيفة الغارديان، قالت رئيسة جمعية الجيولوجيين في أوكرانيا، (هانا ليفينتسيفا) في مقال صدر في سنة 2022، إن بلادها تحتوي على حوالي 5% من الموارد المعدنية في العالم، على الرغم من أنها تغطي 0.4% فقط من سطح الكرة الأرضية، وذلك بفضل الجيولوجيا المعقدة، التي تشمل جميع المكونات الرئيسية لقشرة الأرض.
ووفقا للبيانات الأوكرانية الخاصة، التي نقلتها رويترز، تمتلك أوكرانيا رواسب لـ22 من أصل 34 معدناً تم تحديدها باعتبارها حاسمة من قِبل الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك العناصر الأرضية النادرة مثل: اللانثانوم والسيريوم والنيوديميوم والإربيوم والإيتريوم.
هذ، وتعتبر أوكرانيا، المزود الرئيسي للتنجستن، حيث كانت تنتج حوالي 7% من الإنتاج العالمي في عام 2019، وفقاً لأبحاث المفوضية الأوروبيّة. كما ادعت امتلاكها ل: 500,000 طن من احتياطيات الليثيوم، وخُمس إنتاج الجرافيت في العالم، وهو مكون حاسم لمحطات الطاقة النووية.

– المعادن النفيسة وانتقال العالم إلى التكنلوجيا الذكيّة:
تناول تقرير الغارديان تعريفًا بالمعادن وأهميتها الإستراتيجية بشكل عام، قدم قائمة المعادن الحيويّة اللازمة لإنتاج المنتجات عالية التقنيّة، خاصة تلك المرتبطة بالتحول إلى الطاقة الخضراء، ولكن أيضا الإلكترونيات والطاقة الاستهلاكية والبنية التحتيّة للذكاء الاصطناعي والأسلحة؛ حيث أدى البحث عن البدائل لحماية البيئة ومعالجة الانهيار المناخي والابتعاد عن الوقود الأحفوري إلى التحول خيارات طاقية تعتمد على الكوبالت والنحاس والليثيوم والنيكل، والتي تعد مفيدة في وسائل النقل وبناء توربينات الرياح. كما تُستخدم المعادن نفسها وغيرها في تصنيع الهواتف المحمولة ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والأسلحة مثل طائرات ال إف-35 المقاتلة، مما يزيد الطلب عليها، ومع تحول اقتصاد العالم وتكنولوجيته، ارتفعت قيمة المعادن الحيوية وتزايدت المنافسة الجيوسياسية على الوصول إليها.
– قائمة امريكا للمعادن المهمة:
في عام 2022، نشرت المسح الجيولوجي الأميركي قائمة من 50 معدنا، بدءا من الألومنيوم وصولا إلى الزركونيوم، والتي اعتبرتها “تلعب دورا كبيرا في أمنها الوطني”، واقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، وتطوير الطاقة المتجددة، والبنية التحتية.
هذ، ومن بين المعادن البارزة التي تم تضمينها الزرنيخ، المستخدم في أشباه الموصلات، والبيريليوم، الذي يُستخدم كعامل سباكة في صناعات الفضاء والدفاع، والكوبالت والليثيوم والجرافيت، وهي حاسمة في تصنيع البطاريات؛ والإنديوم، الذي يجعل الشاشات تستجيب للمس بالأصابع، والتيلوريوم، الذي يُستخدم في توليد الطاقة الشمسية، وفي عام 2023، قدرت وكالة الطاقة الدولية أن سوق المعادن الانتقالية في مجال الطاقة قد وصل إلى 320 مليار جنيه إسترليني في عام 2022، أي ضعف قيمته قبل 5 سنوات.
وتقول الوكالة إنه إذا نفذت البلدان بالكامل تعهداتها المتعلقة بالطاقة النظيفة والمناخ، فمن المتوقع أن يتضاعف الطلب بأكثر من الضعف بحلول عام 2030 ويتضاعف 3 مرات بحلول عام 2040.
– المعادن التي تُعَد حيوية:
مصطلح المعادن الحرجة او النفيسة مصطلح سياسي، وهناك قائمة اهتمامات بمعادن معينة، فالبلدان مختلفة حول قوائم المعادن الحرجة، اعتمادا على أهدافها المحلية والجيوسياسية.
من هنا نفهم السبب الرئيسي وراء رغبة ترامب الشديدة في الحصول على المعادن النادرة في أوكرانيا، حيث أصبحت الصين أكثر من أي وقت مضى مصنع العالم، مما يعني أنه أينما تم استخراج المعادن النادرة، تظل نقطة مهمة في سلسلة الإمداد. وتملك الصين معظم قدرة معالجة المعادن النادرة في العالم، ووفقا لوكالة الطاقة الدولية، فإن حصة الصين في التكرير تصل إلى حوالي 35% للنيكل، و50-70% لليثيوم والكوبالت، و90% للعناصر الأرضية النادرة حسب جريدة غارديان.
* الخلاصة التنافسية:
من يتحكم فيها بالابعاد الأربعة التالية سيتحكم في عصر المعادن النفيسة أو الحرجة:
التملك للموارد واستخراجها، مع التحكم العلمي في تحويلها وتوظيفها، وتطوير المستقبل من خلالها، اي من خلال الشرائح الالكترونية شبه موصلة نموذجا، باختصار كل ما هو مرتبط بالنانو تكنولوجيا، واخيرا وبالاساس فهي تدخل في الصناعات العسكرية، وسبل الهيمنة على الفضاء الحيوي المسمى بالذكاء الاصطناعي، وهذا ما يفسر الوضوح في عقل لافروف حين حدد شروط السلم مع اوكرانيا:
1. “احترام الحقائق على الأرض” اي عدم عودة المناطق النفيسة الى اوكرانيا،2. الاتفاق على عدم انضمام أوكرانيا إلى الناتو ، أي ايجاد منطقة فاصلة عسكريا بين روسيا والحلف الاطلسي، شرطان أساسيان لبدء أي مفاوضات مع كييف.
لاشك أن خريطة المعادن النفيسة معروفة او البحث جار حولها وهنا يكمن سر علم الجيولوجيا ايضا. من الدروس المستخلصة:
1. لا يمكن ان تفرض اوروبا اي شرط على روسيا مستقبلا، واكثر من ذلك وهي تشتري الطاقة باضعاف ما كانت تشتريه قبل الحرب، وتتمنى سرا وعلانية عودة الفرصة، ولكن هيهات فغاز روسيا ليس هو غاز بعض الدول “العربية” ومنها الجارة الشرقية؛
2. أوروبا اختصاصية في الاشتراط على الافارقة والعرب فقط! ومع ذلك هناك فرصة للتحرر من قبضة الغرب؛ ففي عالم متعدد الأقطاب، توجد فرصة كبيرة لبناء الدول الصاعدة أو في طريق الصعود، إذا اغتنمت اللحظة، التي لا يجود الزمان بها كل صباح.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...