* د. محمد الخمسي:
في ساحة الحكم العالمية، لا يمثل دونالد ترامب مجرد زعيم مثير للجدل، بل هو، في المخيال الأمريكي المحافظ، “مشروع اقتصادي متنقل”، أو قل: “صفقة كبرى” استطاع الأمريكيون من خلالها استرداد كل ما أنفقوه –رمزيًا– من أموال على رؤسائهم منذ نشأة الدولة الحديثة. فقد جاء ترامب –في نظر كثيرين منهم– لا ليأخذ، بل ليُغني الدولة ويثري الخزينة، سواء عبر الضغط على الحلفاء، أو بيع ترسانات السلاح، أو عقد صفقات بمليارات الدولارات دون الحاجة إلى حرب شاملة.
إنه رئيس لا تُحسب له الأجور بالراتب الشهري، بل بعائد ما أنجزه من مصالح قومية ملموسة. ولذلك، لا يمنّ عليه أحد بـ”دولار واحد”، ولا يُصنف ضمن “فئة المستهلكين السياسيين”. لقد جسّد مفهوم “الوطنية النفعية” في أقصى صورها: كل ما يفعله يجب أن يُترجم إلى مال أو مكسب.
في المقابل، يفتح هذا النموذج جرحًا مؤلمًا في واقع دول الجنوب؛ حيث توجد نخب سياسية تعيش على حساب الوطن دون أن تضيف إليه شيئًا.
نخب لا تجلب استثمارًا، ولا توقّع شراكة، ولا تؤمّن سيادة، بل تستنزف ما هو قائم، وتُهَرّب ما تبقّى. يعيش بعضهم في رغد خزينة الدولة، وهم لم يدخلوا إليها يومًا بدرهم واحد، ولا بحصيلة فكرية أو مشروع وطني أو رؤية استراتيجية. يسكنهم الخمول، وتُديرهم الذهنيّة الغنيمية.
هنا، تبدو المفارقة جلية: ترامب، الذي نختلف معه كثيرًا، مارس “وطنيته” بواقعية صادمة، وحوّل المنصب إلى مصدر دخل قومي. أما عندنا، فالمنصب في أحيان كثيرة يتحول إلى غنيمة فارغة، ويصير رموز الدولة عبئًا عليها، لا قيمة مضافة.
في مثل هؤلاء تنزل آية كاشفة: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ…﴾ [النحل: 76]
وطنية ترامب تُقاس بعائد، ووطنية هؤلاء تُستهلك بلا مقابل. هو يربح، ونحن نمضغ الشعارات كما نمضغ العلكة: نكررها حتى تفقد طعمها، ونلوكها في صالات الاجتماعات وواجهات الإعلام، دون أن تهضمها السياسات أو تترجمها الأفعال.
لقد خلق الله النفط والغاز، وخلق من يستثمرهما لحساب الشعوب، وخلق من ينهبهما لحساب المصارف.
وشتّان بين من يُؤمّن للوطن صفقة رابحة، ومن يسرق الوطن باسم “الانتماء المقدس”.
بين من يُزايد بوطنه في السوق، ومن يُزايد على وطنه في الخطاب.





