نجاح الثورة السورية وحسابات الربح والخسارة

 

 

 

 

 

الدكتور احماد الحياني
المغرب

 

 

أثار نجاح الثورة السورية وسقوط نظام بشار الأسد بشكل سريع تساؤلات عدة لدى مراقبي الوضع السوري خاصة والوضع في الشرق الأوسط عامة. وتأتي هذه التساؤلات في سياق وضع اقليمي متوتر وفي ظل متغيرات يعرفها النظام الدولي. ومن الأسئلة التي تطرح نفسها على من يتابع الوضع: هل سقوط نظام الأسد تم فجأة أم بفعل فاعل؟
من الرابح ومن الخاسر بقوط نظام بشار الأسد؟ ما مصير القضية الفلسطينية في ظل الوضع الجديد؟

ترتيب اقليمي ودولي لرحيل الأسد:
تدل مؤشرات عدة على أن تحرك المعارضة السورية وسيطرتها السريعة على المدن في وقت قياسي مقابل انهيار جيش النظام السوري أمر تم الترتيب له من قبل الفاعلين المحليين والاقليميين والدوليين. ومن ذلك ما أعلنته الولايات المتحدة الأمريكية من أنها بعثت برسالة الى الثوار عن طريق تركيا بعدم ممانعتها في الزحف نحو دشق شريطة عدم مشاركة داعش في العملية، وهذه اشارة من امريكا بأنها لن تتدخل عبر قواعدها هناك لعرقلة زحف الثوار. أما روسيا فقد كشفت أنها تواصلت مع الثوار وتعهدوا لها بضمان أمن وسلامة قواعهدها في سوريا، وهذه رسالة مشابهة من موسكو أن ما يهمها مصالحها في سوريا، وأنها لم تعد معنية بالدفاع عن نظام الأسد. أما تركيا فكل تصريحات الرئيس أردوغان لا تدع مجالا للشك بأنها المحرك الأساسي للعملية، وكان شرطها الوحيد عدم مشاركة الأكراد عدوها اللدود في العملية. وحتى الايرانيين حلفاء الأسد الأساسيين أكدوا أنهم تلقوا ضمانات من الثوار بعدم المس بالطائفة الشيعية وتأمين مزارتتها بسوريا، وهو ما يفهم منه ألا نية لدى ايران بالتدخل لانقاذ حليفها التقليدي.
ورغم أن كل المؤشرات تدل على أن نظام ال الأسد قضي أمره، ويكاد أصدقاء هذا والنظام و أعداؤه يتفقون على حتمية رحيله، الا أن سقوطه لا شك سيخلف رابحين وخاسرين.

حسابات الربح والخسارة بعد رحيل النظام:
الرابح الأول من سقوط الدكتاتورية هو الشعب السوري الذي ظل يرزح تحت حكم عسكري طائفي وراثي منذ 54 سنة سام فيها الاب والابن من بعده السوريين كل صنوف القمع، بدءا بمصادرة الحريات، مرورا بالسجون والتعذيب والاخفاء القسري، وانتهاء بالحرب وما خلفته من دمار وقتلى ومهجرين داخل وخارج بلادهم.
الرابح الثاني تركيا أردوغان، لان انتصار الثورة سيريحها من الصداع الأمني المزمن الذي تشكله الملشيات الكردية السورية وربيبتها من حزب العمال الكردستاني العراقي، حلفاء نظام الأسد وأدوات واشنطن واسرائيل لتهديد الخاصرة الرخوة لتركيا، فضلا عن كون سقوط الأسد يفتح الباب لعودة ما يقارب الخمسة ملايين لاجئ سوري الى بلادهم مما يزيل العبء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي عن كاهل الدولة التركية، خاصة بعد ان تحول هؤلاء اللاجئون الى ورقة سياسبة تستغلها أطراف المعارضة ضد أردوغان وحكومته، بحجة الخوف من تغيير التركيبة الديمغرافية للمجتمع والهواجس الامنية والمتاعب الاقتصادية.

الرابح الثالث روسيا، فكل المعطيات تؤكد أن موسكو لم تكن لتتخلى عن الأسد، بل عن سوريا بعدما ترجح انها ستخلي قواعدها هناك، الا مقابل وعود من ترامب باطلاق يدها في اكرانيا. فتصريحات ترامب تشي أنه سيضغط على زيلينسكي ليتنازل لبوتين عن الاراضي الاكرانية التي استولى عليها بما فيها جزيرة القرم، وستلتزم اكرانيا بعدم الانصمام للناتو، ومن ثم اغلاق المشكل الاكراني الذي كبد روسيا خسائر مادية وبشرية هائلة. وربما يرفع ترامب العقوبات غير المسبوقة المفروضة على روسيا، وهذه مكاسب جمة تستحق ان يضحي بوتين من اجلها بحليفيه السوري والايراني، وذلك لقطع خطوط الاتصال بين ايران وحزب الله بما يخدم مصلحة الكيان الصهيوني.

الرابح الرابع هم الأوروبيون، القضية الأساسية بالنسبة لعديد من الدول الاوروبية هي معضلة المهاجرين، فقد تسببت حرب النظام على الشعب السوري في موجات من الهجرة الشرعية وغير الشرعبة لدول أوروبا الغربية، وهو ما اتخذته قوى اليمين المتظرف شماعة تعلق عليها المشاكل الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، واتخذت من العداء للمهاجربن مادة انتخابية تدغدغ بها مشاعر الشعوب، مما ينذر بصعود اليمين الشعبوي بما يشكله من تهديد للنسيج الاجتماعي والنظام الديمقراطي في هذه الدول. فسقوط نظام الأسد فرصة لاعادة اللاجئين السوريين لبلدهم بدعوى زوال الاخطار وانتفاء مبررات بقائهم في في دول اللجوء، أما عودة لاجئي تركيا الى بلادهم ففيه ضمان لعدم التحاقهم باخوانهم في دول الغرب.

اما الخاسرون من سقوط نظام الأسد فهم العرب والمسلمون كالعادة: أول هؤلاء الخاسرين ايران وحزب الله والحوثيين من بعدهما. فقد شكل نظام ال الأسد – فيما يبدو – حليفا تاريخيا لايران منذ قيام الثورة، حيث دعم ايران في حربها ضد العراق، بل شارك حافظ الاسد الى جانب التحالف الدولي بقيادة امريكا في حرب الخليج الثانية لاسقاط صدام حسن، ربما بايعاز من ايران نكاية في عدوها اللدود صدام. كما ظلت سوريا ممرا لاسلحة ايران لحزب الله، ذراعها اليمنى لمواجهة اسرائيل. ولاشك أن ذهاب الأسد سيقطع الامدادات الايراية لحزب الله، او سيضعفها على الاقل، لأن التجربة أثبتت أن ايران قادرة على امداد حلفائها في اليمن رغم الحصار الغربي الخانق، ولن تعدم طرق مماثلة لدعم المقاومة في لبنان. اما الحوثيون في اليمن فلن تغفر لهم اسرائيل ما الحقوه بها من اذلال بضرب عمقها بجرأة لم تعهدها من قبل، فضلا عما فرضوه عليها من حصار كاد يطبق عليها لولا ان هب الاعراب لنجدتها بتوفير طرق امداد بديلة، وهذا ما يفسر توعد رئيس وزراء الكيان لليمن بالعقاب الشديد بعد ان يستفرد بهم.

اما الخاسر الثاني فهم العرب حلفاء النظام السوري القدماء والجدد. أما القدماء فهم الانظمة العسكرية الشبيهة بالنظام السوري، خاصة النظامين المصري والجزائري، لا ريب ان هذه الانظمة تتحسس رؤوسها توجسا من ان تكون الثورة السورة متحورا عن الربيع الديمقراطي الذي هز عروش اعتى الدكتاتوريات العسكرية في المنطقة من بن علي الى مبارك الى علي عبد الله صالح، وكلهم نسخة مشابهة للاسد، فمصر السيسي منعت مجرد احتفال بسيط للسوريين بنحاح الثورة خوفا من العدوى، علما ان النظام المصري لا يقل بطشا عن النظام السوري، اما النظام الجزائري فقد منع كل اشكال التظاهر حتى مع فلسطين ظالمة ومظلومة. اما حلفاء بشار الجدد الذين نعتهم يوما باشباه الرجال، فهم الاماراتيون والسعوديون، وقد حاول هؤلاء اعادة تأهيه بتكليف من الرعاة الامريكيين، حيث وعدوه برفع العقوبات واعادة اعمار سوريا مقابل فك الارتباط بالحلف الايراني الروسي. وقد قطعوا شوطا كبيرا في اعادة التأهيل،. وهو ما يفسر برود موقفه من الحرب على غزة ولبنان، وكذا غيابه عن جنازة الرئيس الايراني الراحل. فقد كان قاب قوسين أو ادنى من التخلي عن حلفائه التقليديين، وهو ما يفسر كذلك رفع موسكو يدها عن دعمه بل اعطاء الضوء الاخضر لاسقاطه، والسبب نفسه وراء تخلي ايران عنه بسهولة. واما ما يلاحظ من غموض موقف الامارات والسعودية عن نجاح الثورة السورية في اسقاط تلميذها النحيب وهي المعروفة بدعم الثورات المضادة وخاصة أن هذه الثورة تغلب عليها التوجهات الاسلامية من ضمنها اخوان سوريا ومدعومة من اردوغان الد اعدائها، فكل ما في الامر أن امريكا رأت أن الطريق المختصر والاقل تكلفة لخدمة ربيبتها بقطع الدعم عن حزب الله هو التخلص من الأسد واخراج سوريا من الحلف الايراني، لذلك أوعزت لحلفائها الخليجيين أن كفوا ايديكم وامسكوا ألسنتكم، فكان لها ما ارادت.

سقوط الأسد والقضية الفلسطينية: قد يبدو وضع الفلسطينيين وخاصة غزة حرجا بعد الضربات التي تلقتها ايران الداعم الاساسي للقضية الفلسطينية، وبعد توقف جبهة الاسناد من حزب الله في لبنان، وكذا خروج سوريا من المعادلة حاليا، فضلا عن تامر المحيط العربي عليها.، هذا يوحي للوهلة الاولى بانسداد الافق امام المقاومة الفاسطينية، الا ان الانتصار الاسطوري الذي حققته غزة باسقاط طوفان الاقصى لأسطورة الجيش الذي لا يقهر، وابطال صمود المقاومة لمفعول الدعم الغربي اللامحدود للكيان، وما تفرع عنهما من هزيمة اخلاقية للغرب بافتضاح نفاقه وازدواجية معاييره في الدفاع عن حقوق الانسان واحترام القانون الدولي، كل ذلك سيحرر شعوب الامة من الخوف والشعور بالعجز امام التفوق الصهيوني الموهوم، ويفك عن اعناقها عقدة النقص اتجاه التفوق الغربي، اما نجاح الثورة السورية فستكون له تداعيات بعيدة عميقة على الجوار القريب والبعيد بما يخدم قضية فلسطين.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...