الساحل الإفريقي: رقصة الموت على حافة الصحراء

 

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

 

هناك مناطق في العالم تنبض بالحياة، وأخرى تحيا على وقع الحروب، لكن الساحل الإفريقي يعيش في منطقة رمادية، حيث تختلط الرمال بالدم، والأحلام بالكوابيس، والأمل بالموت. إنه ذلك الشريط الواسع الممتد من إريتريا عند ضفاف البحر الأحمر إلى موريتانيا على المحيط الأطلسي، حيث الشمس لا ترحم، والمطر بخيل، والتاريخ لا يمنح أبطاله سوى نهاية واحدة: العذاب الأبدي.

في هذه الأرض الممزقة بين القبائل والجيوش والانقلابات و الجماعات المسلحة، تتطاير الأخبار كما تتطاير الحبوب في مواسم الجفاف. يُقال إن الساحل أصبح بؤرة الإرهاب الجهادي في العالم، حيث لا تنمو الزهور، بل تنمو البنادق والأعلام السوداء. في الممرات السرية بين الكثبان، وفي القرى التي تئن تحت وطأة الخوف، يلتقي المتطرفون وتُعقد التحالفات، ثم تتفكك، ليُعاد تشكيلها وفق قوانين اللعبة الوحشية.

خيراردو مونيوث، الكاتب الإسباني ، يخبرنا في كتابه “الساحل: المشهد الجديد للجغرافيا السياسية العالمية” أن هذه الرقعة من الأرض لم تعد مجرد مسرح لحروب محلية، بل أصبحت ساحة معركة كبرى، تتقاطع فيها المصالح الدولية كما تتقاطع فيها المسارات الرملية التي تخفي تحتها آلاف الحكايات الحزينة.

لم يكن الساحل يوما مكانا هادئا. منذ قرون، عاشت هذه الأراضي على إيقاع القوافل، على وقع أقدام التجار الذين يعبرونها كأنهم يعبرون بين عالمين. كان الملح والذهب عملة الزمان حينها، وكان السيف والكلمة وسيلة الحُكم. لكن اليوم، لم يعد الأمر يتعلق بالتجارة، بل بالدم. هنا، لم تعد الأموال تُنقل في جِرار الفخار، بل في حقائب محكمة الإغلاق، لم يعد المحاربون يحمون قوافلهم بالسيوف، بل بالبنادق الروسية والطائرات المُسيّرة، ولم تعد الحروب تنتهي بمعركة حاسمة، بل تستمر إلى الأبد.

في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، تعاقبت الانقلابات كما تتعاقب الفصول. حكومات تسقط، وأخرى تأتي محمولة على ظهور الدبابات، لكن الفقر والجوع والتهميش يظلان وحدهما فوق العرش، لا أحد يزيحهما، لا أحد يجرؤ على مواجهتهما. وعلى أطراف المدن المحترقة، تنتظر الجماعات الجهادية لحظتها، تراقب، تتقدم ببطء، ثم تضرب بقوة، كأنها ظل الموت الذي لا يفارق الأرض.

لكن الصراع هنا ليس بين أبناء الساحل وحدهم. القوى الكبرى تحرك خيوط اللعبة من بعيد. فرنسا التي كانت سيدة هذه الأراضي انسحبت مهزومة، بينما تقدمت روسيا بوجهها الجديد، بجيشها غير الرسمي، ميليشيات فاغنر التي فُضحت فغيرت اسمها إلى “فيلق إفريقيا”، تبيع الحماية لمن يدفع، تزرع الفوضى حيث تريد و متى تريد، وتجعل من العنف عملة صعبة تُشترى بها الولاءات.

أوروبا تراقب، ولكنها لا تتحرك بسرعة كافية و إني أراها ستندم. فهي تدرك أن الساحل ليس بعيدا، وأن ما يحدث هناك قد ينعكس على شواطئها. الهجرة غير النظامية تتزايد، الشباب الفارّون من الجحيم يصلون إلى أبواب القارة العجوز منهكين، منهزمين، لكن لا أحد يسأل: لماذا فرّوا؟ من سرق أحلامهم؟ من جعل بلدانهم جحيما؟

في غبار الحروب، حين تهب الرياح الساخنة من الجنوب، لا يقف الجميع على ذات الضفة، ولا تنظر العيون كلها إلى الأفق بذات الحذر. فالمغرب، كحارس قديم على بوابة الصحراء، لا ينام إلا بعين مفتوحة، يدرك أن النار إذا اشتعلت في جوف الرمل، فلن توقفها حدود ولا جبال. إنه لا ينتظر الخطر حتى يصل إلى أبوابه، بل يستبق الظلال قبل أن تتجسد، ويطفئ الشرارة قبل أن تتحول إلى لهب.

لكن في الجوار، هناك من يلعب بالنار ظنا منه أنه قادر على ترويضها، يغذي الوحوش في العتمة، ثم يبيع الأمن لمن يخشى افتراسها. بعض الدول تفتح أبوابها للظلام، لا لأنها عاجزة عن صده، بل لأنها تعرف كيف تساوم به، تتفاوض مع أوروبا بسيف الإرهاب، تدّعي أنها قادرة على لجمه، لكن بثمن، بثمن استرجاع ما ضاع، أو إعادة صياغة النفوذ وفق شروطها.

هذه ليست معركة ضد جماعات تتخفى في الجبال والصحارى، بل حرب خفية بين من يحارب الإرهاب، ومن يوظفه كورقة مساومة، بين من يرى الأمن مسؤولية، ومن يراه سلعة تباع لمن يدفع أكثر. في هذا المشهد الغارق في الظلال، يبقى المغرب جنديا في ساحة تتداخل فيها الحقيقة بالخديعة، يحرس أبوابه بعقلٍ واع وسيف لا يتردد في الضرب، لأنه يعرف أن الرياح، حين تتحول إلى عاصفة، لا تطرق الأبواب قبل أن تقتلعها.

الساحل ليس مجرد منطقة بعيدة، بل هو الحدود المتقدمة لأوروبا، وإذا لم يتم ترويض العاصفة، فإنها ستعبر البحر، وستحمل معها ما لا يمكن إيقافه.

الساحل ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مأساة مكتوبة بأحرف من دم ورمل. إنه رقصة الموت المستمرة، حيث يتغير اللاعبون، لكن اللعبة تظل كما هي: الأقوى يحكم، والأضعف يُباد، والبقية يحاولون النجاة… أو الهرب.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...