مسلسلات في خدمة الصهيونية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

الدكتور محمد عوام
باحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة.

 

 

في هذه الأيام المباركات من رمضان الكريم، اطلع علينا مسلسل “معاوية”، وقامت حوله ضجة من الاستنكار، لما يروج من الطائفية البغيضة، ويشوه شخصية الصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. والحق أن شياطين الإنس تستعد لرمضان بوضع برامج تدوخ بها الناس، فتصرفهم عن تحقيق التعبد والتقوى، اللذين هما جوهر الإسلام، ومركز الإيمان، والمقصد الأسمى من رمضان، بدليل قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
هذا الاستعداد الإبليسي التلبيسي، يعطينا صورة لا مراء فيها، عن الطائفة التي تدير شؤون البلاد، على أنها آخذة في شن الحرب على القيم الإسلامية، ومحاربة التدين، وإبعاد خاصة الشباب الذين يتأثرون بأجواء رمضان الربانية، ومعظمهم يملأ المساجد، عن جادة الصواب والحق. فلا يروق لهذه الطائفة المارقة أن ترى أوبة صادقة للناس إلى دينهم وعقيدتهم وإسلامهم. فهي تخشى بذلك من كل التزام بالإسلام، أو أن يتمدد وينتشر في صفوف الشباب وعموم الناس، فتجدهم بذلك -كما قلت- يستعدون ويُعدون المسلسلات، والفكاهات، والمسرحيات، فحولوا بذلك “لعلكم تتقون” إلى “لعلكم تفسقون”.

لذلك لا نستغرب متابعة العدو الصهيوني لما يروج في إعلامنا المارق، إلى حد الإشادة بما يحصل، فيعبرون ارتياحهم، كما صنعت الصحافية الصهيونية سمدار بيري، حيث أشادت بهذه المسلسلات التي تصل إلى أكثر من سبعة وثلاثين مسلسلا، قائلة: “لم أجد أي مسلسل يشير إلى إسرائيل من قريب أو بعيد، أو يشير إلى غزة وما حصل فيها. في الماضي كانت إسرائيل هي محور مسلسلات الجاسوسية والمقاومة كعدو…واليوم اختفى ذلك تماما، إنه شهر رمضان بدون إسرائيل”.
هكذا عبرت هذه الصهيونية مفتخرة ومندهشة، بأن “الإعلام العربي حقق معجزة”، وهي التي بالمناسبة، كانت لها صداقة بمن يسمون “الزعماء العرب”. فإعلامنا بمعزل عن قضايا أمتنا، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وقضية المسجد الأقصى. فقد نجحت إسرائيل الملعونة، والغرب الصليبي في إيجاد وكلاء وعملاء ينوبون عنهم في البرمجة والتخطيط، والتشويه والتزوير والتحريف، حتى لا يروج بين الناس إلا الرواية الصهيونية، فهي المهيمنة على الساحة الإعلامية، ولا أدل على ذلك أن الإعلام الغربي والعربي لم يتطرق إلى ما يقع في غزة بدقة ونزاهة، ويعطي للقضية وقتها من الرصد والنقل والتحليل، وإنما يمرون عليها كالبرق الخاطف.
عود على بدأ
من عادتي لا أخوض فيما وقع بين الصحابة رضي الله عنهم، زمن ما سمي تضخيما بـ”الفتنة الكبرى”، فتلك “أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم”، ثم إن ما حدث لا يعدو أن يقع مثله بين كافة البشر، بل لا يساوي شيئا بين ما وقع بين الأمم السالفة، واللاحقة أيضا. وإنما الذي يعنيني من سيرتهم، صلابتهم في الدين، واهتمامهم بالدعوة، وسمي أخلاقهم، ورفعة عدالتهم، وقوة جهادهم…وهلم جرا من المحامد والأخلاق والمكارم التي أثنى الله عليهم بها قائلا: ﴿مُّحَمَّد رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعا سُجَّدا يَبۡتَغُونَ فَضۡلا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰناۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ﴾ [الفتح: 29].
وهنا أضع السؤال الجوهري عندي، أين نحن اليوم من زمن معاوية رضي الله عنه؟ ففي زمانه كانت الشريعة هي السلطة العليا في الدولة، فلها السيادة والحاكمية، كل دواليب الدولة تتخذها مرجعها، تتحاكم إليها، والمجتمع راض بذلك. فهل حكامنا اليوم مثل معاوية؟ وأين الشريعة في أحكامنا وتشريعاتنا وواقعنا الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والدولي؟. أليست حاكمية الشريعة قد رفعت؟.

لا شيء من هذا يذكر استبدلنا كل شيء بالنظم الغربية، وأصبحت العلمانية هي الحاكمة بالحديد والنار، والسجون والقفار، كل ما نراه نسخة طبق الأصل العلماني في تعليمنا وإعلامنا، في اقتصادنا وسياستنا،…فالعلمنة اكتسحت كل المجالات، وزادتها الصهيونية الكالحة مددا وعونا، بل انتشارا ينذر بالبؤس والشقاء.
فمن العسف أن يتخذ مسلسل “معاوية” ذريعة لنشر الطائفية، والتحريض على الفرقة بين الأمة، في الوقت الذي هي في حاجة لجمع شتاتها، ولمِّ أطرافها، وتحقيق وحدتها ضد أعدائها، ومواجهة التحديات التي تهددها في وجودها ومستقبلها. فالأمة اليوم ليست في حاجة إلى المسلسلات الطائفية والتافهة التي تغرس قيم الانحراف عن الدين والقيم الإسلامية الأصيلة، وتستنكف عن شرع رب العالمين، وإنما هي في حاجة إلى مسلسلات تبنيها من جديد، بزرع الفضائل لا الرذائل، وتشكيل وعيها الجمعي، حتى يستوعب خطورة المرحلة، التي تكالب فيها عليها أعداء الملة من الخارج والداخل. فمن الظلم البين أن تظل أمتنا تدور كالرحى على ما مضى، (الروافض، النواصب،…) متجاهلة الذين يرفضون الدين من أساسه، أو تبقى بمعزل عمن يقوض بنيانها ويحطم كيانها، وينتهك حرماتها، ويدنس مقدساتها. فليس من يقيم على هذه الحال، على مسكة من عقل، أو سداد في الرأي.

قصتي مع مخرج سينمائي
وفي هذا السياق أود أن أروي لكم قصة وقعت لي مع أحد المخرجين السينمائيين، ولا أريد أن أذكر اسمه. فقد طلب مقابلتي ليحاورني في بعض القضايا ومن جملتها قضايا التطرف والإرهاب، وكان مزمعا على كتابة سيناريو الفيلم أو المسلسل الذي يريد. فجلسنا معا في إحدى مقاهي الرباط، وفتح معي الموضوع بأسئلة كثيرة تنصب على بعض التصرفات التي لها علاقة بالتطرف والإرهاب، وكنت أجيبه مصححا له كل قضية أثارها، مستدلا على ذلك بالكتاب والسنة، ومبينا موقف الفقهاء منها، وموضحا أنها على هذا الشكل لا محل لها في الإسلام. وكان الرجل لا يريد مني ذلك الجواب الواضح البين، وإنما عبر لي أنه يريد صورة أخرى تحمل التطرف، ونماذج من الإرهاب معززا بالدين. فقلت له: هل أنت تريد تصحيح الأفكار والسلوكات وبيانها كما هي في الشريعة أم قصدك أن تحمل للناس صورة معينة تشوه بها الدين؟ فهذا ليس معقولا ولا فيه ذرة من الإنصاف. فأحسست به كأنه قلق، لأنه خرج معي بدون ما كان يريد.

ولهذا لا أتعجب من بعض المخرجين السينمائيين والمسرحيين، وكتاب السينايو، من ارتمائهم في حمئة التشويه والتدليس على الناس فيبوؤون بالإثم، لأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فيقتدون باليهود في ذلك، ومعظمهم يترجم عن المستشرقين، ويقتبس منهم شبهاتهم. وهذا طبعا لا يجدي نفعا، لأن الناس في آخر المطاف سيبحثون عن دينهم.
وفي هذا الصدد أشير إلى مسلسل سمعت به، وأثر في الناس وبخاصة النساء، وكانت القناة المغربية تبثه، وهو بعنوان “الحاج متولي”، عالج قضية تعدد الزوجات برؤية إسلامية، وأعني بذلك العدل بين الزوجات، وأعطى صورة جميلة عن التعدد، لكن ما إن تحركت الصحافة باستجواب النساء، ومعظمهن قبلن الفكرة إذا كان التعدد هكذا، حتى سحب المسلسل واختفى، مما يدل على أن الأيادي الخفية لا تريد أن تصحح المفاهيم، ويأخذ الناس الصورة الحقيقية عن بعض القضايا، منها تعدد الزوجات، وإن كان في حقيقة أمره لا يشكل قضية مجتمعية، ولا هو من الأمور التي تؤرق المجتمع، وتسبب له البأساء والضراء، مثل مشاكل الأسرة في غلاء معيشتها، وتعليم أبنائها، وتطبيب أفرادها. ومع ذلك يصور رؤوس الفساد والاستبداد كأنه أم المشاكل وجوهر المعضلات.

وبهذا يستبين أن كثرة المسلسلات في رمضان، يدخل ضمن منهجية إفساد المجتمع، وتخديره، وإبعاده عن تحقيق التقوى المقصودة من تشريع رمضان. هذه التقوى التي يحتاجها الحاكم والمحكوم، ويحتاجها القاضي والمقضي عليه، بل يحتاجها كل فرد من المجتمع، وكل مسؤول في الدولة، فهي أساس بناء الإنسان والعمران، فبدونها حق للصهانية المجرمين، والصليبيين الحاقدين، والعلمانيين الضالين أن يفرحوا ويندهشوا من عدم وجود مسلسلات تتحدث عن غزة، ولكن يكفي غزة أن رب العزة يذكرها ويحميها، فهو وليها، وهو خير الناصرين.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...