ما بين الفتوحات والاحتلال: جدليّة شرعيّة القوّة وقّوّة الشرعيّة والتبعيّة الحضاريّة..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* د. عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار

 

 

 

في التاريخ الإنساني، كانت القوة دومًا معيار الفعل والسيادة. أمم تتغلب وأخرى تخضع. وبين الغالب والمغلوب تتشكل الحضارات أو تنهار.
غير أن وعي الإنسان المعاصر لم يعد يقبل التسليم بتلك المعادلة البسيطة؛ إذ بات يقرأ أفعال الماضي بعين ناقدة، ويفصل بين الاحتلال كجريمة، والإرث الحضاري كقيمة.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة تفكيك مفاهيم الفتح، الغزو، الاستعمار، والاحتلال بعيدًا عن الانفعالات الآنية، لفهم كيف تتحول الأمم من مركز قوة إلى هامش تبعية، ومن فاعل حضاري إلى عالق في دوامة التبعية النفسية والثقافية.
* الفتح والغزو: من شرعيّة القوة إلى محاكمة التاريخ:
عبر العصور القديمة والوسطى، كانت ثقافة الإنسان تقوم على مبدأ الغلبة، ولم تكن أمة بمنأى عن الغزو أو الغزو المتبادل. لكن الفارق الجوهري لم يكن في ممارسة الفتح بحد ذاته، بل في الكيفيّة التي تعامل بها الفاتحون مع الشعوب المغلوبة.
أما في العصور الحديثة، فقد نشأت ثقافة حقوقية أدانت الغزو والاستعمار والاحتلال بوصفها جرائم بحق الإنسانيّة، رغم أن الممارسات الاستعماريّة استمرت بذرائع أخرى: نشر الحضارة، نقل التكنولوجيا، أو فرض قيّم العدالة.
هكذا ظل كل فاتح يصوغ تبريراته الخاصة، سواء من منطلق ديني أو عرقي أو حضاري، مما جعله يرى غزوه مشروعًا ومختلفًا عما سبقه.
* إرث الفاتحين: بين الخراب والعمران:
حين يرحل الفاتحون، يخلفون وراءهم مزيجًا من النهب والعمران، من الدمار والبناء.
تجربة الاستعمار البريطاني للهند مثال حي: مذابح مروعة ونهب منظم لثروات البلاد، لكن أيضًا مؤسسات إداريّة حديثة ولغة موحدة وبداية فكرة ديمقراطية ناشئة.
وهكذا تبقى الأمم أمام خيارين:
1. إما التعلق بالغزو ذاته كفعل قهري والتطلع إلى تكراره.
2. أو الاعتزاز بالإرث الحضاري الذي ساهم، رغم مأساويته، في تطور البشرية.
التمييز بين الفتح كأداة قهر والإرث كقيمة مضافة شرط أساسي لتجاوز رواسب الماضي.
* العقدة الأندلسيّة: دروس وعبر من التاريخ:
خطاب الأندلس يختزل ببلاغة هذه الإشكالية: الغزو الإسلامي لشبه الجزيرة الايبيرية كان حدثًا مبررًا بمنطق عصره، لكنه اليوم يجب أن يُقرأ من زاوية ما خلّفه من حضارة إنسانيّة عظيمة.
حين نغيب عن وعي هذه المسافة، يولد ما يمكن تسميته بـ”العقدة الأندلسيّة”، حيث يتحول الماضي إلى عبء نفسي ثقيل، يثير مشاعر الحنين المرضي أو الشعور بالانكسار، بدل أن يكون منبع إلهام حضاري متجدد.
* متلازمة الحب والكراهية تجاه المستعمر:
عندما تكون المهانة الحضارية متجذرة، تتولد علاقة مركبة تجاه المستعمر تقوم على الرفض العلني والاحتياج الضمني.
يُشتم المستعمر في الخطب، ويُستجدى في الواقع؛ يُلعن حين يحضر، ويُطلب حين يغيب.
هذه المتلازمة النفسية، التي تختلط فيها مشاعر الكراهية بالتعلق، تشكل عائقًا خطيرًا أمام بناء مشروع حضاري مستقل.
والمفارقة أن الشعوب قد تطرد الاحتلال السياسي لكنها تبقى رهينة لاحتلال ثقافي وفكري واقتصادي، أكثر خطورة وأطول عمرًا.
* من العجز الحضاري إلى التدمير الذاتي:
حين تعجز أمّة ما عن ترجمة غضبها إلى إبداع وإنتاج، يتحول الغضب إلى تذمر دائم أو إلى تدمير ذاتي (auto-destruction). تلك الشعوب، بدل أن تستثمر جراحها في مشروع نهضوي، تغرق في جلد الذات، والتذمر، والارتهان لقيم المستعمر دون وعي.
إن الشعوب التي تريد تجاوز إرث الاستعمار لا يكفيها التحرر السياسي الشكلي، بل تحتاج إلى تحرر حضاري عميق، يبدأ من الاستقلال النفسي والفكري ويمتد إلى الاقتصاد والعلم والثقافة والفكر.
* نحو سيادة حضارية حقيقية:
إن مشروع الاستقلال الحقيقي لا يتحقق بالشعارات ولا بالتمنيات، بل بالتحرر من التبعية النفسية أولًا.
السيادة الحضارية تبدأ بتأسيس العقل النقدي، ثم بناء العلم والصناعة، وانتهاء بإنتاج نمط حياة مستقل يحترم الخصوصية الثقافية وينافس عالميًا.
تجارب مثل اليابان وكوريا الجنوبية تقدم نماذج ملهمة: شعوب استطاعت أن تتحرر من إرث الاحتلال عبر التسلح بالعلم والإنتاج لا بالثأر والحنين العقيم.
* خلاصة:
إن العلاقة بين الفتوحات والاستعمار والغزو والاحتلال، ليست مجرد سرديّة تاريخيّة، بل سؤال مصيري في معركة الشعوب والأمم من أجل السيادة الحضاريّة. فالماضي لا يمكن تغييره، أما الحاضر والمستقبل فهما رهنا بقدرتنا على الوعي والنقد والبناء.
بدل أن نبقى أسرى صراعات تاريخيّة ميتةً، علينا أن نرسم لأنفسنا مسارًا جديدًا: مسار الاستقلال الفكري والسيادة الإنتاجيّة والنهضة الحضاريّة. فليس المهم أن ننتقم من الماضي ونلعن الاستعمار أو الاحتلال، بل أن نصنع مستقبلًا يليق بتضحياته.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...