الشرق الأوسط بين الانفتاح والتحديات: لقاء ترامب والشرع في الرياض يفتح الباب لتوازنات جديدة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب وصحفي مقيم بايطاليا

 

في مشهد لم يكن من الممكن تصوّره قبل أشهر، التقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنظيره السوري أحمد الشرع في العاصمة السعودية الرياض، في لقاء مفصلي يتجاوز في رمزيته الدبلوماسية حدود اللقاءات الثنائية المعتادة، ليرسم بداية مرحلة جديدة في شكل العلاقات الإقليمية والدولية مع سوريا، ويعكس في الوقت نفسه دور المملكة العربية السعودية كقوة إقليمية وراعية لتحولات جوهرية في منطقة الشرق الأوسط.

بعد اللقاء، أصدر البيت الأبيض بيانًا فُهم على نطاق واسع على أنه خارطة طريق أميركية مشروطة لأي انفتاح على النظام السوري. البيان جاء صريحًا، حيث أكد أن الرئيس ترامب أبلغ الشرع بأن “أمام بلاده فرصة تاريخية”، لكنه ربط هذه الفرصة بجملة من المطالب الصعبة والمثيرة للجدل:

الانضمام إلى اتفاقيات تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

طرد “الإرهابيين الأجانب” من الأراضي السورية.

ترحيل من وُصفوا بـ”الإرهابيين الفلسطينيين”.

دعم جهود الولايات المتحدة في منع عودة تنظيم داعش.

تحمل مسؤولية مراكز احتجاز مقاتلي داعش شمال شرقي سوريا.

تُظهر هذه النقاط بوضوح أن الولايات المتحدة تخلط بين ملفات الأمن، والسياسة، والاعتراف الدبلوماسي، والتطبيع، في سلة واحدة، وهي صيغة قد تبدو واقعية من وجهة نظر استراتيجية، لكنها تحمل في طياتها تحديًا سياديًا لدولة خارجة من عقد من الحرب والعزلة.

في المقابل، تُشير تسريبات دبلوماسية إلى أن الرئيس الشرع أبدى استعدادًا لمناقشة كثير من القضايا ضمن إطار سيادي سوري، لكنه رفض أي صيغة تملي مواقف سياسية مسبقة تحت ضغط العقوبات. كما أكد الوفد السوري أن التعاون مع الولايات المتحدة يجب أن يُبنى على الاحترام المتبادل وعدم المسّ بالثوابت الوطنية، خصوصًا في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والوجود الإيراني.

لم يكن هذا اللقاء ليحدث لولا التحرك النشط للقيادة السعودية، وعلى رأسها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى مهندس لمقاربات سياسية جديدة في المنطقة. لم تعد السعودية فقط مركزًا اقتصاديًا وطاقة، بل باتت حاضنة للحوار الإقليمي ومنصة للانفراجات السياسية الكبرى.

تسعى المملكة إلى تفكيك ألغام المنطقة واحدة تلو الأخرى: من إعادة سوريا إلى الجامعة العربية، إلى احتضان مشاريع إعادة الإعمار، وفتح قنوات اتصال بين أطراف متخاصمة. ومن هذا المنطلق، تشكل قمة الرياض نقطة ارتكاز في تحولات الشرق الأوسط نحو الدبلوماسية بدل الحرب، والنمو بدل الانقسام.

زيارة ترامب: رغبة في تصحيح مسار ومنافسة جديدة على النفوذ
زيارة الرئيس ترامب، في ولايته الثانية، تمثل أكثر من زيارة بروتوكولية. هي رسالة واضحة بأن الولايات المتحدة تريد استعادة دورها في المنطقة، ولكن ضمن منطق جديد: الانخراط الاقتصادي بدل التورط العسكري، والتحالفات المرنة بدل المحاور الجامدة.

غير أن مراقبين يرون أن مطالب واشنطن من سوريا، كما وردت في بيان البيت الأبيض، تعكس محاولة توظيف الانفتاح الدبلوماسي كورقة تفاوضية في صراع النفوذ مع روسيا وإيران وتركيا، أكثر من كونها رؤية متكاملة لحل الأزمة السورية.

ما يجري حاليًا في الرياض ليس لقاءً فرديًا، بل مؤشر على نهاية حقبة من الانغلاق السياسي. سوريا التي عانت سنوات طويلة من العقوبات والحصار قد تجد نفسها أمام فرصة لإعادة التموضع، ولكن بثمن سياسي مرتفع.

غير أن الاستراتيجية السعودية القائمة على الانفتاح المتوازن قد تنجح في تخفيف شروط التحالفات، وتقديم بديل عن المقايضات الصفرية. وفي حال استمرت المملكة في هذا النهج، قد نرى خلال السنوات المقبلة شرقًا أوسط جديدًا، متصالحًا مع نفسه، منفتحًا على العالم، ويعيد الاعتبار للدبلوماسية الإقليمية كأداة لتصحيح المسارات.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...