الرياض تُرسّخ دبلوماسية التوازن: لقاء ترامب والشرع يعيد رسم المشهد الإقليمي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب وصحفي مقيم بايطاليا

 

في خطوة غير مسبوقة على المسرح السياسي في الشرق الأوسط، شهدت العاصمة السعودية الرياض قمة استثنائية جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنظيره السوري أحمد الشرع، وذلك على هامش القمة الخليجية–الأميركية التي تحتضنها المملكة. اللقاء التاريخي، الذي تم بحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، يأتي بعد ربع قرن من القطيعة بين واشنطن ودمشق، ويُشكّل بداية تحول محتمل في شكل العلاقات الإقليمية والدولية في المنطقة.

هذا اللقاء لم يكن ليحدث خارج الإطار الذي توفره الدبلوماسية السعودية المتقدمة، التي يقودها ولي العهد، والتي أصبحت اليوم تُعرّف بأنها دبلوماسية “الفرص السياسية”، لا الاكتفاء بالمواقف التقليدية. فالمملكة أثبتت خلال السنوات الأخيرة أنها قادرة على كسر الجمود الإقليمي وفتح قنوات للحوار بين خصوم الأمس، بدافع تحقيق الاستقرار بعيدًا عن منطق الاصطفافات.

السعودية، التي تتصدر جهود إعادة سوريا إلى محيطها العربي، لعبت دور الوسيط القوي، ليس فقط في تليين المواقف الدولية تجاه دمشق، بل في تأمين مظلة سياسية لحوار مباشر بين واشنطن ودمشق، وهو ما كان حتى الأمس القريب ضربًا من الخيال.

بعيدًا عن الطابع البروتوكولي، اتسم اللقاء الأميركي–السوري بتركيز واضح على الملفات العالقة: رفع العقوبات، إعادة الإعمار، ملف اللاجئين، ومحاربة الإرهاب. ترامب عبّر عن انفتاح غير مسبوق على “منح دمشق فرصة تاريخية”، كما قال، مشيرًا إلى أن رفع العقوبات الأميركية هو بوابة لدفع سوريا نحو الاستقرار، و”التحرر من النفوذ الإيراني”، كما عبر مسؤولون أميركيون لاحقًا.

في المقابل، أعرب الرئيس السوري عن استعداده لفتح باب التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة، داعيًا المستثمرين الأميركيين للدخول في مشاريع البنية التحتية وقطاع الطاقة، ومرحبًا بالتوجه نحو تحقيق تسوية سياسية تضع حدًا لأكثر من عقد من العزلة والصراع.

الدبلوماسية السعودية نجحت في توفير أرضية آمنة لهذا اللقاء، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع واشنطن ودمشق، ومن دعم قادة إقليميين مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي شارك في الاجتماع عبر الفيديو، مشددًا على دعم “سوريا مستقرة لا تهدد أمن جوارها”.

ولعل أبرز ما يُحسب للمملكة في هذه المرحلة هو قيادتها لنهج المصالحات الإقليمية، ونجاحها في إقناع الإدارة الأميركية بضرورة فتح صفحة جديدة مع دمشق، لا تقوم على الضغط فقط، بل على الحوافز والتنمية.

السياسة الأميركية تجاه سوريا، التي اتسمت طويلاً بالقطيعة والعقوبات، تدخل الآن مرحلة مراجعة. فواشنطن تسعى، عبر هذا الحوار، إلى منع عودة الجماعات المتطرفة، وضمان دور لها في مرحلة ما بعد الصراع. كما أن الإدارة الأميركية تراهن على أن الانخراط المباشر مع دمشق قد يُسهم في تحجيم الدور الإيراني، وخلق توازن جديد في الملف السوري.

وربما الأهم هو ما كشفته مصادر سياسية حول عرض سوري–أميركي مشترك يشمل امتيازات اقتصادية متبادلة، وتعاون في إدارة موارد الطاقة، مع طرح أفكار استثمارية طموحة، بينها إنشاء “برج ترامب” في دمشق كمشروع رمزي لانطلاقة جديدة.

خاتمة: السعودية تقود والمشهد يتغير
ما حدث في الرياض ليس فقط حدثًا سياسيًا، بل إعادة تعريف للسياسة الشرق أوسطية. المملكة، بقيادة ولي العهد، تُثبت مجددًا أنها بيضة القبان في ميزان الإقليم، القادرة على جمع المتخاصمين، وتحويل خطوط التماس إلى طاولات حوار.

أما اللقاء بين ترامب والشرع، فهو مؤشر على أن الشرق الأوسط دخل مرحلة ما بعد الأزمات، وأن مفاتيح الحل لم تعد بيد اللاعبين التقليديين فقط، بل بيد دول اختارت أن تكون منصات حوار، لا منصات صراع.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا