الدور المغربي الممكن في غزة في ضوء التحولات الإقليميّة: نحو رؤية إنسانيّة سياديّة بديلة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

• الدكتور عبد الله شنفار

 

 

 

هل ما زالت السياسة التضامنيّة العربية قادرة على تجاوز منطق الاستعراض؟
  تطرح الكارثة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 أسئلة حارقة حول فعالية النظام الإقليمي العربي، ليس فقط في احتواء الأزمة، بل في تقديم استجابات ملموسة تتجاوز الشعارات في الخطابات واللغة الرمزيّة والانفعاليّة.
  ففي ظل انسداد المسارات السياسيّة واحتكار بعض الأنظمة لتسويق خطاب التضامن الإعلامي، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لدولة عربيّة؛ الآن؛ ذات سيادة وحنكة دبلوماسيّة كالمغرب أن تُقدِّم نموذجًا بديلًا للمساندة الفاعلة للشعب الفلسطيني؟ وهل ما يزال من الممكن؛ في ظل هذا التنازع على التمثيل الرمزي؛ إعادة تعريف معنى المساندة والدعم العربي بما يوازن بين البُعد الإنساني والسيادي والعمق الأخلاقي؟
أولًا: السياق الإقليمي وتحول أشكال التضامن
  في المشهد الإقليمي الراهن، تتبدى تحركات بعض الدول العربية تجاه غزة في شكل خطابي يطغى عليه التجييش والتحريض الإعلامي والاستثمار الرمزي؛ حيث برزت قوى تدّعي احتكار التعبير عن الضمير العربي، دون أن تُترجم تلك المواقف إلى سياسات ميدانيّة فاعلة أو مساهمات إنسانيّة ملموسة داخل القطاع.
  وهو ما يعكس الخلل العام في أنماط التفكير السائدة بالمجتمعات العربية الإسلامية؛ نجده فيما يمكن أن يُطلق عليه التفكير بالتمني بحدوث معجزة النصر؛ بحيث يوجد من يعتقد أن تنظيم قافلة صمود من خلال الزحف راجلًا إلى الحدود وعدم التّوَلِّي يوم الزحف؛ سيحرر القدس ويفك الحصار عن غزة!
  وقد تماهى هذا السياق العام مع غياب دور جامعة الدول العربية وتراجع فاعلية آليات التنسيق الإغاثي المشترك. ووسط هذا الفراغ العملي، تبرز حاجة ملحة لفاعلين يمتلكون القدرة على التدخل الإنساني العقلاني، غير المرتبط بحسابات إيديولوجية ضيقة.
  وهنا تُطرح الإشكالية المركزيّة: كيف يمكن للمغرب في ضوء موقعه السيادي وتاريخه التضامني؛ أن يملأ هذا الفراغ بخطوة ميدانية ذات أبعاد سياسيّة وإنسانيّة مركّبة؟
ثانيًا: المقترح المغربي الممكن: بين الواقعية والسيادة
  يقترح هذا التحليل أن يبادر المغرب، تحت القيادة الساميّة لجلالة الملك محمد السادس، الذي يحظى بمكانة مرموقة في الوسط الدولي؛ إلى إرسال قافلة مساعدات إنسانيّة شاملة إلى قطاع غزة، بإشراف مباشر من بعثة طبيّة ولوجستيّة تابعة للقوات المسلحة الملكيّة.
  هذا، ويستند هذا المقترح إلى تجارب سابقة أثبت فيها المغرب فاعليته في الاستجابة للأزمات الإنسانية، سواء في زلزال تركيا، أو انفجار مرفأ بيروت، أو قوافل المساعدات إلى غزة ولبنان ومخيم الزعتري بالأردن، في السنوات الماضية.
  المبادرة المغربية؛ إن تمّ تفعيلها؛ يجب أن تتجاوز الطابع الرمزي لتُترجم إلى بنية ميدانيّة للتوزيع، يشرف عليها طاقم تقني وطبي مغربي، ما من شأنه أن يرسّخ صورة المغرب كفاعل سيادي مستقل، يرفض المزايدة لكنه لا يتخلى عن مسؤولياته التاريخيّة والأخلاقيّة.
  لكن هل تسمح المعادلات الجيوسياسية المعقدة؛ لا سيما العلاقة مع إسرائيل؛ بتنفيذ هذا النوع من المبادرات؟ أم أن التحرك المغربي قد يُستهدف من قبل أنظمة تُراهن على تأزيم المشهد بدل احتوائه؟
  ففي ظل سياق إقليمي مشحون بالمزايدات والتنافس الرمزي حول مسألة غزة بصفة خاصة، والقضية الفلسطينية بصفة عامة؛
• سيناريو: من حيث المبدأ الإنساني والسيادي
  لطالما المغرب قدّم مساعدات إنسانية عاجلة في أزمات مماثلة، ومنها غزة وسوريا والسودان، وكان ذلك برؤية إنسانية ترتبط بمكانته كفاعل متزن في السياسة الدولية. إرسال مساعدات مغربية بإشراف عسكري إنساني (مثل ما حدث في زلزال تركيا وسابقًا في غزة) سيكون انسجامًا مع خط السيادة الرصينة التي تزاوج بين البعد الإنساني والبعد الدبلوماسي.
• سيناريو: من حيث رد فعل إسرائيل
  قبول إسرائيل بمساعدات مغربية عبر معبر كرم أبو سالم أو غيره أمر وارد، خاصة في ظل العلاقات الرسمية القائمة بين البلدين. بل قد تراه إسرائيل كنوع من “ضمان سياسي” ضد توظيف المساعدات من طرف قوى معادية لها.
• سيناريو: من حيث البعد الجيوسياسي والإعلامي
  دخول المغرب بهذا الشكل سيمنح رمزية قوية لتحركه الإنساني، وقد يُفهم كرسالة مباشرة إلى بعض الأنظمة التي تحاول احتكار خطاب التضامن (الجزائر، قطر، وربما تونس)، لكن المغرب عادةً ما يتجنب منطق الاصطفاف الشعبوي ويُفضل الخطاب المتزن.
  لذلك، قد يلجأ إلى تحرك إنساني قوي ولكن بصيغة غير استعراضية، مع اعتماد القنوات الرسمية والدبلوماسية. وبالتالي، أي خطوة من هذا النوع يجب أن تُحسب بدقة، لأن السياق بالغ التعقيد: في ظل استمرار العمليات العسكريّة الإسرائيلية في غزة، والاشتباك السياسي داخل الجامعة العربية على أشدّه، كما أن بعض الأطراف قد تحاول تسييس المبادرة المغربية، سواء بالترحيب المُغرض أو بالهجوم الإعلامي.
ثالثًا: القابلية الواقعيّة للتحرك المغربي
  يستند التحليل إلى معطيات موضوعية تُرجّح إمكانية تنفيذ المبادرة المغربية، رغم دقة الظرف:
  إسرائيليًا: بحكم العلاقات الرسمية بين الرباط وتل أبيب، فإن التنسيق اللوجستي عبر معبر “كرم أبو سالم” أو آليات دولية كالهلال الأحمر الفلسطيني أو الأمم المتحدة يبدو ممكنًا. بل قد ترى إسرائيل في التحرك المغربي عنصر توازن يمنحها بعض الغطاء الدبلوماسي أمام الانتقادات الدولية المتزايدة بشأن الوضع الإنساني في غزة.
  فلسطينيًا: يتمتع المغرب بصورة إيجابية داخل الشارع الفلسطيني، بصفته راعيًا للجنة القدس، وداعمًا تقليديًا للقضية منذ عقود. ولا يُنظر إليه كطرف منحاز أو متورط في الانقسامات الداخلية، ما يمنح تحركه قدرًا عاليًا من القبول الشعبي والسياسي.
  عربيًا: رغم احتمال محاولات التشويش أو التقليل من أهمية المبادرة من طرف أنظمة مثل الجزائر أو قطر، إلا أن قوة الخطاب المغربي المتزن، وسابقة تحركاته الميدانية، كفيلة بإبراز الفارق بين الفعل الإعلامي والفعل الإغاثي الحقيقي.
  والسؤال المركزي هنا هو: هل يملك المغرب الإرادة لاقتحام هذا الهامش الرمادي بين الدعم الرمزي والتدخل السيادي الميداني؟ وهل يمكن له أن يفرض من خلال ذلك قراءة جديدة لمعنى الدعم والإسناد والتضامن العربي؟
رابعًا: الأثر الاستراتيجي للتحرك المغربي: إعادة هندسة الرمزيّة الإغاثيّة
  يمتد أثر المبادرة المغربية إلى ما هو أبعد من حدود غزة. إنها، في جوهرها، مساهمة في إعادة هندسة رمزية الدعم الإنساني العربي، إذ تُحوّل خطابات التضامن والإسناد والدعم، من شعارات في الخطابات السياسية والإعلامية إلى ممارسة، ومن تموقع إعلامي إلى فعل سيادي ميداني.
  فهل نحن بصدد رؤية مغربية جديدة لإعادة تعريف أدوار الفاعلين العرب في زمن الأزمات؟
  من جهة أخرى، فإن إشراف القوات المسلحة الملكية المغربية على التوزيع؛ بصفتها جهازًا يُجسد المهنيّة والسيادة؛ سيُشكل رسالة مزدوجة:
  أولًا إلى الداخل المغربي، بأن دعم فلسطين لا يخضع للحسابات الشعبويّة وعرقلة الحركية بميناء المتوسط، بل يشكل امتدادًا لثوابت الدولة؛
  وثانيًا إلى الخارج، بأن المغرب قادر على الجمع بين الوفاء للمبادئ والتحرك العملي المدروس، دون ارتهان للضغوط أو الاصطفاف.
  لكن يظل التحدي الأساسي: كيف يمكن توجيه هذا التحرك دون أن يُفهم كنوع من المناورة الجيوسياسيّة؟ وكيف يُمكن للمغرب أن يُعزز أثره دون الانزلاق في حسابات التجاذب الرمزي الذي تُغذيه أطراف متصارعة على التمثيل الإنساني في المنطقة؟
  وإذا كان التحرك المغربي المتوقع سيُحدث تحولًا في رمزية الفعل الإغاثي العربي، فإن من شأنه أيضًا أن يفتح آفاقًا استراتيجية لإعادة تفعيل أطر مؤسساتية ذات رمزية كبرى في الوعي العربي الإسلامي، وفي مقدمتها لجنة القدس، التي ظلّت غائبة نسبيًا عن التفاعل مع التطورات الأخيرة في غزة.
خامسًا: في أفق تفعيل دور لجنة القدس: من الغياب إلى المبادرة
  يُعد تحرك المغرب في هذا الإطار أيضًا فرصة لإعادة إحياء دور لجنة القدس، التي يرأسها جلالة الملك محمد السادس، والتي غابت عن المشهد منذ اندلاع الحرب الأخيرة. فهل يمكن أن تُشكل المساعدات المغربية مدخلًا لإعادة تثبيت اللجنة كآلية عربية إسلامية لحماية المقدسات ودعم صمود الفلسطينيين في غزة والقدس؟
  بمعنى آخر: هل نحن أمام فرصة لإعادة توظيف اللجنة ليس فقط كرمز، بل كمنصة عملية للاستجابة للأزمات؟ وهل يمكن للمغرب أن يُحوّل التحدي الراهن إلى لحظة استراتيجيّة لإعادة ترتيب أولويات العمل العربي المشترك من مدخل إنساني وسيادي؟
  في ضوء ما تقدم من تحليل للسياق الإقليمي، والسيناريوهات الممكنة، والأثر الرمزي والتحركات الواقعية، يمكن القول إن المغرب يقف اليوم أمام منعطف استراتيجي يتجاوز الظرفية الإنسانية إلى إعادة تشكيل موقعه كفاعل أخلاقي سيادي في النظام العربي.
• خاتمة: المغرب بين السيادة والرسالة الأخلاقيّة
  يتوفر المغرب اليوم على فرصة فريدة لصياغة ردّ إنساني وسيادي على المأساة الجارية في غزة، ردّ ينسجم مع تاريخه المتوازن ورؤيته المتزنة في السياسة الخارجية.
  إن تحركًا من هذا النوع، إذا ما تم تنفيذه بخطاب عقلاني غير استعراضي، وبمهنية ميدانية عالية، سيكون ليس فقط فعلًا إنسانيًا ملحًّا، بل نموذجًا تطبيقيًا لما يمكن وصفه بالسيادة الأخلاقية الفاعلة.
  فنحن أمام لحظة فارقة، لا تتطلب مجرد المساندة، بل تقتضي إعادة تعريف لمفاهيم الدعم والتضامن العربي، في ضوء توازن جديد بين المبادئ والمصالح، بين الخطاب والممارسة، وبين الرمزية المجرّدة والواقعية المسؤولة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...