القُوّة العسكريّة والصمود التاريخي: قراءة في التجربة القتاليّة للقوات المسلحة الملكية المغربية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار

 

 

– الأزمة المفاهيمية في قراءة القُوّة العسكريّة
لا يخفى على المراقب المتأني أن الخطاب العسكري المعاصر، بمختلف مشاربه، قد استقرّ على معادلة مختزلة تحيل القوة العسكرية إلى مجموعة مؤشرات كمية قابلة للعد والقياس: حجم الترسانة، تطوّر التكنولوجيا، كثافة الإنفاق العسكري والدفاعي. إنه منطق يستدعي أصحاب الخبرة الإعلامية والتحليلية البسيطة أكثر من الكتّاب الأكاديميين.
لكن الوقائع التاريخية القريبة فتحت شرخاً عميقاً في هذه المعادلة. فقد شهدنا انهيارات عسكريّة كاملة لجيوش وُصفت بالقوى الضاربة، انهيارات حدثت في زمن قياسي لم يكن متناسباً مع حجم الإمكانيات المادية التي تملكها. وفي الوقت ذاته، صمدت جيوش أخرى أقل ضجيجاً إعلامياً أمام حروب طويلة ومعقدة، كانت في الظاهر أضعف من أن تصمد.
هذا التناقض يحيلنا إلى سؤال أساسي: هل المشكلة في طبيعة المؤشرات التي نستخدمها، أم في البنية المفاهيمية التي تحكم قراءتنا للظواهر العسكرية برمتها؟
– المحور الأول: نحو إطار تحليلي مركب للقوة العسكرية
يقتضي الخروج من هذا المأزق المفاهيمي إعادة تعريف جذرية لمفهوم القوة العسكرية ذاته. فبدلاً من اختزالها في المقدرة المادية، ينبغي فهمها باعتبارها نتاج تفاعل معقد وطويل الأمد، يشمل عناصر متعددة المستويات:
أولاً، التجربة القتالية الفعلية؛ لا بوصفها مجموعة معارك منعزلة، بل باعتبارها تراكماً معرفياً يُعيد تشكيل الثقافة المؤسسية للجيش ذاته. فالجيش الذي خاض نزاعات متعددة الأشكال يطوّر قدرات تفسيرية للواقع الميداني تفتقدها الجيوش التي لم تخض اختباراً حقيقياً.
ثانياً، القدرة على الصمود في أشكال الصراع المتطاولة؛ وهي قدرة تختلف جذرياً عن الحسم العسكري السريع.
حرب الاستنزاف لا تبحث عن النصر الكاسح، بل عن استنزاف الإرادة والموارد عبر الزمن. والجيش القادر على تحمل هذا الضغط يمتلك خاصية معرفيّة لا تُقاس بالعتاد.
حرب استنزاف طويلة الأمد في الصحراء المغربية ذات طبيعة غير متماثلة، (الگِيريّة)-(guérilla)؛ أو حرب الاستنزاف القذرة.. حيث قطاع الطرق من الخارجين عن القانون وجميع الشرائع السماوية والقوانين الدولية؛ من عناصر (البوليساريو) تخوض حرباً قذرة منذ سنة 1975 تشنها ضد المغرب في إطار ما يسمى ب: حرب العصابات وقطاع الطرق ويطلق عليها في القاموس العسكري ب: (الگِيريّة)-(guérilla).
ثالثاً، تماسك العلاقة بين الجيش والدولة والمجتمع: وهي علاقة بنيوية لا نظرية. فانهيار الجيوش الكبرى لم يأتِ من الخارج دائماً، بل من فراغ شرعيتها الداخلية. الجيش الذي يفقد علاقته العضوية بالدولة المؤسسية (لا النظام السياسي العابر) ينقطع عن مصدر شرعيته الحقيقية.
رابعاً، المرونة الاستراتيجية والتكتيكية في التعامل مع التهديدات المتغيرة. فالقدرة على إعادة تحديد الأهداف وتعديل الوسائل وفقاً لتطور الواقع تشكل نوعاً من الذكاء المؤسسي لا يُختزل في تكنولوجيا واحدة أو عقيدة جامدة.
هذا الإطار المركب يحيل القوة العسكرية من معطى جاهز إلى عملية تفاعل مستمرة، لا تنتهي بالحصول على أفضل الأسلحة، بل تبدأ منها.
التاريخ كمختبر للفرضيات؛ بحيث إذا كان هذا التعريف صحيحاً، فإنه يضعنا أمام وظيفة منهجية جديدة: قراءة التجربة التاريخية لا بوصفها سرداً متسلسلاً من الأحداث، بل باعتبارها حقل اختبار لهذه المقولات النظرية. التاريخ هنا لا يعطينا نماذج قابلة للتكرار، بل يفتح لنا أسئلة تتعمق معنا كلما حاولنا الإجابة عليها.
– المحور الثاني: التجربة المغربية كحالة دراسية في إدارة الصراع طويل الأمد
منذ الاستقلال، خاض الجيش المغربي نماذج متعددة من الحروب: من الصراعات التقليدية محدودة الأهداف؛ حرب الرمال كنموذج؛ إلى النزاعات الحدودية المعقدة، وصولاً إلى ما يمكن تسميته بـ “حرب الاستنزاف المعقدة” في الصحراء المغربية.
هذا التنوع في أشكال الصراع لم يكن، من وجهة نظر معينة، اختياراً استراتيجياً، بل فرضاً تاريخياً. لكنه أنتج، بحكم الضرورة، تجربة معرفية لا تستطيع جيوش أخرى الدعاء بمثلها.
* طبيعة الصراع في الصحراء المغربية
الحرب في الصحراء المغربية تمثل شكلاً معقداً من أشكال الصراع. إنها ليست حرب عصابات تقليدية بالمعنى الكلاسيكي، بل صراع استنزافي لا متماثل يتسم بخصوصيات استثنائية:
تعدد مصادر التهديد: ليس خصماً واحداً يمكن تحديده في حدود جغرافية واضحة، بل شبكة من التهديدات الموزعة، بعضها داخلي وبعضها خارجي، بعضها مباشر وبعضها وسيط. من عناصر تنظيم البوليساريو، التي تخوض حرباً قذرة منذ 1975 بكل ما تحمله كلمة “قذرة” من معان: استخدام مليشيات صغيرة من عنصرين أو ثلاثة فقط، تنفيذ عمليات عشوائية، افتقار شامل للالتزام بالشرائع السماوية والقوانين الدولية.
الدعم الخارجي المتعدد الأشكال: من الدعم اللوجستي والتسليحي والاتصالي، إلى الدعم الدبلوماسي والسياسي المكثف ضد المغرب في المحافل الدولية. يشكل هذا حرباً متعددة الجبهات تتجاوز الميدان العسكري بكثير.
الطبيعة الاستنزافية للصراع: التي لا تسعى إلى الحسم السريع، بل إلى إنهاك مقدرات البلد ماديًا وبشريًا ومعنويًا بشكل تدريجي ومنظم. بينما تكلفة العدو محدودة نسبياً، حيث يعتمد على مرتزقة من جنسيات مختلفة في تنفيذ عمليات موزعة وغير متناسقة.
* الصمود كظاهرة بنيوية
في هذا السياق، تبرز ظاهرة حاسمة: أن الجيش المغربي لم يشهد انهياراً بنيوياً بالمعنى الذي فهمناه سابقاً. لم تحدث انقطاعات قيادية جذرية، لم تظهر أزمات ولاء داخلي حادة، لم ينفصل عن دولته المؤسسية. وهذه ليست حقائق يمكن تفسيرها بوصفها نتائج حتمية، بل ظواهر تحتاج إلى فهم السياقات التي أنتجتها.
يتطلب هذا الصمود، على الأقل، ثلاث عناصر متفاعلة:
1. إدارة الزمن الاستراتيجي بدل السعي إلى نصر استعراضي.
هذا يعني القدرة على التمييز الحاد بين الحاجات العسكرية الآنية والأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد. الجيش الذي ينجرّ إلى الاستجابات السريعة والمتسرعة قد يحقق انتصارات تكتيكية لكنه يخسر الاختبار الاستراتيجي الحقيقي.
2. ضبط النفس العملياتي والتفادي الواعي للفخاخ. إن حروب الاستنزاف مصممة بعناية لإغراء الخصم بالرد المتسرع، لتحويل الحرب من صراع استنزافي منهجي إلى حرب استنزاف معكوسة. الجيش الذي يقاوم هذا الإغراء يمتلك وعياً استراتيجياً لا يُختزل في التدريب الفني.
3. القدرة على تحمل الكلفة البشرية والمادية دون انهيار سياسي أو مجتمعي. هذا يتطلب شرعية اجتماعية عميقة لا يمكن شراؤها بالإعلام أو المال. إنها شرعية تُبنى عبر الزمن، وتستند إلى فهم المجتمع لأسباب الصراع وضرورته، وإلى ارتباط عضوي لا ينقطع بين المؤسسة العسكرية والمؤسسة الدولة.
– المحور الثالث: نحو سؤال أعمق: محددات القوة غير المعلنة
* المقارنة المعيارية والدروس النظرية
عندما نقارن النموذج المغربي مع تجارب عسكرية أخرى معاصرة، تظهر صورة مثيرة للاهتمام:
جيوش لم تخض حرباً حقيقية انهارت عند أول اختبار فعلي.
جيوش تملك أجهزة استخبارات متقدمة فشلت في قراءة الواقع الميداني.
جيوش ضخمة فقدت شرعيتها الداخلية فانهارت سريعاً.
في المقابل، حافظ الجيش المغربي على عناصر ثلاث حاسمة:
أولاً: وحدة القيادة وبقاء العقيدة واضحة ومحدودة، بدل أن تتفتت إلى تجاذبات سياسية متعارضة. هذا يعني استمرار الرؤية الاستراتيجية الموحدة رغم تقلبات الساحة السياسية.
ثانياً: الارتباط العضوي بالدولة المؤسسية لا بالنظام السياسي العابر. هذا التمييز جوهري: الدولة المؤسسية تستمر وتتجاوز الدورات السياسية، الأنظمة السياسية تتغير وتتطور. الجيش الذي يربط نفسه بالأولى يحافظ على استقراره وشرعيته عبر الانتقالات السياسية.
ثالثاً: استدامة الشرعية الاجتماعية الصامتة. هذه الشرعية لا تحتاج إلى إعلام ضاخ أو احتفالات رسمية؛ إنها تستند إلى فهم عميق ومشترك بين الجيش والمجتمع حول الضروريات الوطنية.
* عناصر القوة الاستراتيجية غير المعلنة
يمكن تلخيص عناصر القوة الاستراتيجية للقوات المسلحة الملكية فيما يلي:
عقيدة عسكرية وطنية دفاعية مرتبطة بوحدة التراب الوطني، وليست عقيدة هجومية أو توسعية.
احترافية بعيدة عن التسييس والانقلابات، مما يحافظ على استقرار العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة.
تراكم خبرة ميدانية حقيقية عبر عقود من الصراعات المتنوعة، وليس مجرد تدريبات نظرية.
مرونة تكتيكية واستراتيجية قادرة على التكيف مع التهديدات المتغيرة والأشكال الجديدة من الصراع.
شرعية مجتمعية صامتة لا تحتاج إلى دعاية أو تسويق إعلامي.
هذه المحددات، وإن كانت أقل ظهوراً إعلامياً، إلا أنها الأكثر أثراً في لحظات الاختبار الحقيقية.
لكن هذه القراءة تفتح أسئلة أعمق بدل أن تغلقها:
أولاً: إذا كانت الشرعية الاجتماعية ضرورية للصمود العسكري، فما طبيعة هذه الشرعية؟ هل هي حتمية تاريخية أم بناء مؤسسي متعمد؟ وهل يمكن للدول الأخرى أن تعيد إنتاجها، أم أنها مرتبطة بسياقات تاريخية محددة؟
ثانياً: كيف نفسر استمرار الصمود رغم تعقد الصراع وتطوره؟ هل الأمر يتعلق بعبقرية قيادة فردية، أم بآليات نظامية أعمق وأكثر استقراراً؟
ثالثاً: ما علاقة الصمود العسكري بتحولات الإرادة السياسية؟ وأين ينتهي دور الجيش كمؤسسة وتبدأ حدود السياسة؟ هل القوة العسكرية الحقيقية تكمن في القدرة على الجنوح عن القتال عندما تكون الحكمة تقتضيه؟
رابعاً: في عالم يتغير جيوسياسياً بسرعة، هل النموذج الذي درسناه قابل للاستدامة؟ أم أن الصمود الذي أثبته أمام شكل معين من الصراع قد لا يكون كافياً أمام أشكال جديدة من التهديدات: سيبرانية، معلوماتية، اقتصادية، هجينة؟
– الخلاصة: الحوار لا الإغلاق
لا يمكن أن ننتهي من هذه القراءة إلى “استنتاجات نهائية” بالمعنى التقليدي. بل ما نقترحه هو إعادة توجيه النقاش نحو مستويات أعمق.
إن القوة العسكرية الحقيقية لا تُقاس بما يُعلنه الجيش في مؤتمراته، بل بما يصمد به في ساعات الامتحان الحقيقية. والقوات المسلحة الملكية المغربية، من هذا المنظور، تمثل نموذجاً لـ “جيوش الخبرة” لا “جيوش الادعاء”، و”جيوش الدولة النظامية” لا “جيوش المغامرة”.
لكن الاعتراف بهذه القوة ليس من باب “الامتنان الخطابي” كما قد يبدو، بل من باب الفهم الاستراتيجي العميق لمنطق الصمود التاريخي.
وهذا الفهم يقتضي أن نعيد قراءة سؤالنا الأساسي: ماذا نعني فعلاً بـ “القوة”؟ هل هي القدرة على الردع والهجوم؟ أم هي، في بعض السياقات التاريخية، القدرة على الصمود والتحمل والرفض الهادئ؟
إن الحوار النقدي الحقيقي لا ينتهي عند إجابة، بل يبدأ منها.
رحم الله من استرخصوا أرواحهم فداءً في صمت وحملوا عبء الدفاع عن الوطن دون منٍّ ولا ضجيج. رجال صدقوا مَا عاهدوا: اللَّهَ والوطن والملك، عليه؛ منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلا.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...