الدولة والمجتمع بين منطق التعميم العقابي ومنهج التمييز المؤسسي: قراءة في عقل تمغربيت
* الدُّكتور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
– هل نخسر الوطن لأجل “حوتة واحدة خانزة في الشواري”؟ قراءة في عقل تمغربيت
المثل الشعبي “حوتة وحدة تخنز الشواري” يعكس منطق التعميم والعقاب الجماعي، لكنه يصطدم بمبدأ قرآني واضح: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. فليس من العدل أن تُحمَّل جماعة بأكملها وزر فرد شذّ عنها. في الواقع، لا أحد يتخلّص من صندوق تفاح كامل لمجرد وجود تفاحة فاسدة، بل يُزال الفاسد ويُحفظ السليم. كما لا يُرمى “شواري الحوت” لأن فيه واحدة “خانزة”. التمييز بين الخلل والكلّ هو من صميم الفهم العادل، والإصلاح الحقّ يبدأ من مقاومة منطق التعميم لا تكريسه.
هل يمكن أن تنهار الغابة بسبب شجرة واحدة مسمومة؟
في بنية العقل الجمعي لتمغربيت، تلوح حِكَم شعبيّة كثيفة المعنى؛ منها قولهم: “حوته وحده تخنز الشواري”. إنّه منطق يُراد له أن يختصر التعقيد في عبارة، لكنه في العمق يفضح توتّراً بين منطق الإصلاح ومنطق العقاب الجماعي.
فهل يُعقل أن تُدان مؤسسة بأكملها، أو تُصادر شرعية الدولة، أو يُنسف منجز مجتمع، فقط لأنّ في داخله عنصراً فاسداً؟ وهل التعميم في الأحكام وسيلة إصلاح، أم هو ضرب من ضروب الهروب إلى الأمام؟
– أولًا: التعميم العقابي: هل هو عدالة أم تغطية على الفشل البنيوي؟
هل يُعدّ تعميم الفساد على الكل شكلاً من أشكال مقاومة الفساد، أم هو شكلٌ رمزيّ من العقاب الجماعي الذي يشي بعجز مؤسسي عن التشخيص الدقيق؟
في كثير من السياقات، تُدان مؤسسات بأكملها بسبب فرد أو ممارسة جزئية؛ وتُشيطن أجهزة الدولة أو النخب الإدارية بحجّة أنّ “الكل فاسد”. غير أن التجربة البشرية تؤكّد أنّه لم تُرمَ شجرة طيبة لأن إحداها كانت خبيثة؛ ولم يُلقَ بصندوق تفاح كامل لأن واحدة فقط فسدت.
هذا المنطق يعبّر عن انزياح خطير في وظيفة الدولة من التدبير نحو العقاب، ومن الإصلاح نحو الإلغاء. وهو ما يستدعي مساءلة عميقة: أليست الدولة في الأصل جهاز فرز وتمييز بين الصالح والطالح، لا جهاز تعميم ونسف شامل؟
– ثانيًا: الفساد كمشكلة سوسيو-وظيفية لا كوصمة أنطولوجيّة
هل الفساد في الدولة يُعبّر عن انحرافات أخلاقية فردية، أم عن خلل سوسيو-بنيوي يحتاج إلى علاج وظيفي أكثر منه إلى خطاب أخلاقي شمولي؟
الفساد، في بنيته، ليس قدراً بيولوجياً، بل ممارسة اجتماعية تنشأ داخل فراغات رقابية أو ثقافية أو تشريعية. من هنا، فإنّ الحل ليس في إلغاء ما فسد، بل في ترميمه وتعديل شروط إنتاجه. ولا معنى لأي إصلاح لا يميّز بين الجزء والكل، بين الشجرة والغابة.
إنّ الاقتصار على خطاب أخلاقي تبخيسي يفقد الدولة وظيفتها البنيوية في التنظيم والتقنين والإصلاح، ويحولها إلى كائن رمزي هشّ، سهل الاستهداف والتفكيك. فما الفائدة من جلد الذات الجمعي وإدانة الجميع، إذا كان المطلوب إصلاحًا منهجيًّا ومسؤولًا؟
أليست الأنظمة الحديثة تنحو إلى بناء منظومات للحكامة الرشيدة، وليس إلى تصفية الحسابات الشاملة؟ وأليس من الحكمة أن ننتقل من “وصم الدولة” إلى مساءلة أدائها، ومن هجاء النخب إلى تقويم شروط اشتغالها؟
بهذا المعنى، الفساد ليس جوهرًا في الدولة، بل عارضٌ يُعالج بالمؤسسات، لا بالتعميم.
– ثالثًا: منهج التمييز المؤسسي: هل الدولة شخص أم منظومة عقلانية؟
في قلب هذا السؤال تتأسس إشكالية الإدراك السياسي داخل عقل تمغربيت: هل نتعامل مع الدولة كأنها شخص له مزاج ونزوات وأخطاء، أم كمنظومة عقلانية مؤسّسة على الوظيفة، لا على النوايا؟
إنّ تَشْخِيص الدولة، أي اختزالها في شخوص، يُنتج عقلًا انتقاميًا لا عقلًا إصلاحيًا؛ حيث تتحوّل الدولة إلى شماعة، بدل أن تبقى أداة. وبدل أن ننتقل من الشخصي إلى البنيوي، نصنع أبطالًا أو أعداء من أفراد، ونُهمّش النقاش حول القواعد والمؤسسات.
لذا، فالسؤال الجوهري الذي يُغيب كثيرًا: ما القواعد التي تسمح بظهور “الحوتة الخانزة”؟ ولماذا لم تُرصد مبكرًا؟ إنّ الدولة ليست نيات، بل سياسات. وليست إرادة فرد، بل نتائج منظومة. والتمييز هنا هو مفتاح الإصلاح العاقل.
– رابعًا: خطر الانفعال السياسي: بين النقمة المجتمعية والانسحاب المؤسساتي
حين يعمّ التعميم، يُصاب المجتمع بالإحباط الجماعي، وتنشأ أخطر ظاهرة: الانسحاب المدني من الفعل السياسي والمؤسسي. فالناس حين لا يرون فارقًا بين الفاسد والنزيه، وبين المجتهد والمتكاسل، يُعرضون عن العمل العام، ويُسقِطون الثقة من كل محاولة إصلاح.
من هنا، تُصبح المقولة الشعبيّة: “كُلّهم فاسدون”، معطّلة للوعي النقدي، وتُمهّد لاختلال أعمق: انهيار الثقة المجتمعية في الدولة.
لكن، أليس أخطر من الفساد هو غياب الثقة في إمكانية الإصلاح؟ وأليس هذا الغياب هو البوابة الحقيقية للانهيار الرمزي للدولة؟
فالسياسات العمومية، مهما بلغت من الصرامة، لن تنجح إن لم تُبنَ على أساس التمييز المؤسساتي، لا على خطاب الإدانة الجماعية.
– خامسًا: تمغربيت كوعي نقدي لا كانعكاس انفعالي
تمغربيت ليست مجرد انفعال وجداني ضد الظلم، بل هي وعي متجذر بتعقيدات الدولة المغربية وتاريخها ونمط إدارتها. في هذا السياق، فإن عقل تمغربيت الناضج لا يرى في “الشواري” مشكلة، بل في الحوتة الفاسدة التي لم تُفرز في الوقت المناسب.
إنه عقل يُمارس النقد لا الإلغاء، ويُميز لا يُعمّم، ويُصلح لا يُدين عبثًا. إنّ العدل، في النهاية، لا يتحقق بالحدس الأخلاقي الغاضب، بل بمنهج دقيق ومؤسساتي في التمييز، والتصحيح، والرقابة، والتقييم المستمر.
وهذا ما يتطلّب استعادة المعنى الجوهري للدولة: لا بصفتها خصمًا للشعب، بل تعبيرًا معقّدًا عن إرادته في التنظيم والتدبير والإصلاح.
* خلاصة مركّبة: هل نملك رفاهية تعميم الإدانة، أم واجب تمييز المساءلة؟
في زمن الارتباك السياسي والمجتمعي، تغدو الأسئلة أكثر أهمية من الإجابات الجاهزة.
فهل من العدل أن نُسقط دولة كاملة لأن فردًا أخطأ؟
وهل من المصلحة أن نُبخّس مؤسسات قائمة لأن جزءًا منها تعطل؟
وهل نُقوّي الدولة بإلغائها رمزيًا، أم بإصلاحها عقلانيًا؟
وهل نملك ترف الغضب المطلق، أم أن الواجب الوطني يفرض علينا التعقّل الاستراتيجي؟
إنّ عقل تمغربيت، حين يستعيد تقاليده التأمّلية، لا يرى في “الحوتة الخانزة” نهاية البحر، بل بداية لمراجعة شروط الصيد، وشبكة المراقبة، وقواعد الملاحة.
فالفساد يُعالج لا بالثأر، بل بالمؤسسة. والدولة لا تُدان بالتعميم، بل تُقوَّم بالتمييز.
ولذلك، فإن معركة الوعي اليوم ليست بين الشعب والدولة، بل بين التعميم والتمييز، بين الهدم الأعمى والإصلاح المؤسسي الهادئ.
وفي نهاية المطاف، لا تنهار الغابة بسبب شجرة؛ ولكنها قد تنهار إذا قررنا أن نحرقها كلها كلما رأينا غصنًا يابسًا.





