مصر وإسرائيل… سؤال الحرب المؤجّلة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

أحمد الجندي
كاتب مصري، أستاذ الدراسات اليهودية والصهيونية في جامعة القاهرة.

 

 

بينما تواصل إسرائيل عدوانها الإجرامي على قطاع غزّة وسورية ولبنان واليمن، وفي ظلّ تصاعد التوترات من جديد مع إيران، يبقى السؤال الذي أصبح في الأيام الماضية أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في أروقة التفكير الاستراتيجي العربي: هل مصر محصّنة من سيناريو الحرب أو الاستهداف الإسرائيلي؟ وهل يمكن أن يأتي اليوم الذي تُختبر فيه العلاقة المعقّدة بين القاهرة وتل أبيب؟ أمّا في إسرائيل، فإن السؤال الذي صار يتكرّر في العامَين الماضيَين: هل كانت المؤسّسة العسكرية الإسرائيلية تفكّر في إعادة رسم حدود الأمن القومي الإسرائيلي على حساب مصر؟
منذ اتفاق معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، حرصت القاهرة وتل أبيب على تجنّب أيّ مواجهة عسكرية مباشرة، وسادت علاقات قد تتوتر أحياناً، لكنّها ظلّت مستمرّةً ومحافظةً دائماً على التعاون والتنسيق الأمني، مع بقاء السلام بارداً لا يلبّي الطموحات الإسرائيلية التي كانت تطمح إلى أن يتحول التطبيع مع مصر إلى المستوى الشعبي. ويلاحظ المتابع للخطاب الاستراتيجي الإسرائيلي، وما يصدر عن مراكز الأبحاث، وحتى عن المسؤولين العسكريين في إسرائيل، أن المؤسّسة العسكرية الإسرائيلية ما زالت تُبقي على مصر في حساباتها الاستراتيجية قوةً إقليميةً يمكن أن تشكّل خطراً على إسرائيل، كذلك فإن الخطاب الإعلامي والسياسي الإسرائيلي يظهر هوساً قديماً بمصر عدوّاً كلاسيكياً محتملاً.

فخلال العقود التي تلت “كامب ديفيد” اعتبرت إسرائيل مصر شريكاً استراتيجياً من أجل ضمان استقرار حدودها الجنوبية،

وخلال الحرب الحالية، ونتيجةً لحسابات تخصّ أمن مصر القومي، وموقفها الرافض لأن تكون سيناء وجهةً لتهجير سكّان قطاع غزّة، تصاعد الحديث في إسرائيل عن السبب الذي يدفع مصر إلى تعزيز ترسانتها العسكرية، واعتبار أن إسرائيل هي المُستهدَفة بهذا التسليح، خصوصاً أنها العدو الأول لدى عموم الشعب المصري. وهو موقف ابتزازي يتعمّد عدم المقارنة بين الإنفاق العسكري الإسرائيلي والمصري، ولا يضع في الحسبان أن حجم الإنفاق الإسرائيلي يفوق بعشرة أضعاف (على الأقلّ) الإنفاق العسكري لمصر. وطبقاً لما نشره المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في تقريره السنوي الصادر هذا العام، يظهر أن نصيب مصر من إجمالي مشتريات السلاح في منطقة الشرق الأوسط يبلغ 1.3% فقط، وهي تأتي بعد الإمارات (10.7%) والجزائر (10.2%) والعراق (6.1%) وقطر (4.6%) وإيران (3.8%) والكويت (3.7%) وسلطنة عمان (3.2%) والمغرب (3.2%)، بينما تبلغ نسبة المشتريات الإسرائيلية 16.1%، ولا تسبقها أيّ دولة من دول المنطقة سوى السعودية (34.3%)، فضلاً عن الفارق الكبير جدّاً بين حجم الإنفاق العسكري عن عام 2024 لإسرائيل (33.75 مليار دولار) ومصر (2.79 مليار دولار فقط)، حسب ما نشره التقرير.
ويظهر تحليل الخطاب الإسرائيلي، العدائي أخيراً تجاه مصر، أن الأمر تجاوز مجرّد الإعلام الشعبي، ليشمل تصريحات رسمية ودبلوماسية وتحليلات مؤسّسات استراتيجية، فباتت العلاقة مصنّفةً على أنها “خلل استراتيجي” قد يؤدّي إلى تصعيد دبلوماسي أو أمني، وينقل مصر من موقع الشريك إلى موقع الخصم الافتراضي. فخلال العقود التي تلت “كامب ديفيد” اعتبرت إسرائيل مصر شريكاً استراتيجياً من أجل ضمان استقرار حدودها الجنوبية، لكن مصر حالياً تُصنّف على أنها “لا يمكن التنبؤ بأفعالها”، فضلاً عمّا يبالغ فيه الإسرائيليون من الحديث عن تعزيز الوجود العسكري المصري في سيناء بما يتجاوز الحاجة إلى محاربة الإرهاب، ومن ثمّ لم تعد سيناء مجرّد عازل استراتيجي لإسرائيل، حسب هذه النظرة، بل باتت منصّةً يمكن أن تهدّد أمن إسرائيل. كذلك يرى الإسرائيليون أن مصر تقدّم نفسها وسيطاً، لكنّها تغلّب مصلحتها الوطنية على الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية، وهذا كلّه يدفع إسرائيل إلى إعادة التفكير في موقع مصر ضمن عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي، كذلك فإنه يعيد تعريفها، بأنها ليست عدوّةً بالضرورة، بل احتمال تهديد طويل الأمد. وهو خطاب قد يُستخدم مستقبلاً لتبرير أيّ خطوات تصعيدية إسرائيلية إذا تغيّرت الظروف الإقليمية، أو حدث أيّ تغيّر سياسي في مصر، مثلما جرى في أثناء ثورات الربيع العربي.
ثمّة أمثلة كثيرة على هذا الخطاب الابتزازي العدائي تجاه مصر، منها تصريحات صادرة على لسان مسؤولين إسرائيليين، مثل تأكيد بن غفير ضرورة ضمان إسرائيل أمنها من دون الاعتماد على أيّ طرف خارجي (يقصد مصر)، أو إشارة وزير الأمن السابق، يوآف غالانت، (أكثر من مرّة) إلى “الحاجة لتشديد الرقابة” في الحدود الجنوبية، ما فُهم ضمناً أنه تقليل من كفاءة التنسيق الأمني مع القاهرة، علاوة على تصريحات إعلاميين مقرّبين من الحكومة تتهم مصر بالتواطؤ في تهريب الأسلحة إلى المقاومة عبر الأنفاق. هذه التصريحات وغيرها، تنقل رسائل ضمنية إلى القاهرة، إذ تمثّل ضغطاً مبطّناً عليها، وابتزازاً واضحاً لها، لإبداء مزيد من التعاون الأمني، خصوصاً في سيناء، وربّما قبول فتح الحدود لتهجير سكّان القطاع، وهي تهدف كذلك إلى تهيئة الرأي العام الإسرائيلي لاحتمالات تدهور العلاقات مع مصر، أو على الأقلّ تحجيم دورها الإقليمي، كذلك فإنها تنقل رسائلَ تحذيريةً لمصر عبر الإعلام، بأن تحييد الموقف المصري في أيّ صراع إقليمي مقبل هو أمر ممكن ومطروح بقوة لدى إسرائيل.
ومن أمورٍ أصبحت ظاهرةً أخيراً، أن الحكومة الإسرائيلية في تل أبيب لم تعد تبدي احتراماً واضحاً لحليفَي السلام التقليديَّين، مصر والأردن، فجميع المواقف الإسرائيلية التي صدرت عن الحكومة الإسرائيلية بتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، واعتبارها خياراً عملياً للتهجير القسري، تبدو إملاءاتٍ، وتعني رغبةً في فرض حلول تضرّ بأمن مصر القومي، وحين نضع ذلك جنباً إلى جنب مع البلطجة التي تمارسها في المنطقة، فضلاً عن التصريحات والتهديدات المبطّنة أو الصريحة، التي يحملها الخطاب الإسرائيلي، والتي لا يمكن اعتبارها مجرّد زلات لسان، بل توجّهاً متعمّداً نحو تحجيم النفوذ المصري في المنطقة، فإن ذلك يعزز الشعور الشعبي في مصر بعدم الثقة في إسرائيل، ويقوي الموقف الشعبي الرافض للتطبيع، كذلك من المفترض أن تؤدّي هذه المواقف أو التصريحات الإسرائيلية إلى وضع الدولة المصرية في موقف حرج بين الاستمرار في التنسيق أو إعادة تقييم العلاقة في ظلّ الاستفزازات الإسرائيلية. أمّا الأخطر بالنسبة إلى إسرائيل، فاحتمالية أن يحفّز ذلك مصر على عقد تحالفات مع قوى إقليمية (تركيا، وربّما إيران)، إن اختارت القاهرة أن تلعب دوراً مستقلّاً بعيداً عن حسابات إسرائيل والولايات المتحدة، وهو أمر تكتنفه صعوبات كبيرة في ظلّ تراجع مكانة مصر في المنطقة، وفي ضوء أزماتها الاقتصادية الطاحنة.

تتضمن تصريحات إسرائيلية رسائلَ تحذيريةً لمصر بأن تحييد موقفها في أيّ صراع إقليمي أمر مطروح بقوة لدى إسرائيل

والحقيقة أن هناك عوامل مختلفة تجعل من استهداف مصر، ولو سياسياً أو أمنياً، احتمالاً غير مستبعد، فأيّ تغيير في الموقف المصري تجاه قضايا غاز شرق المتوسط، أو التحالف مع تركيا، والدخول معها في شراكة استراتيجية، أو عسكرية، أو حتى أن يصبح القرار المصري مستقلاً في قضايا تخدم أمنها القومي، وتكون ضدّ مصالح إسرائيل، قد يكون سبباً من أسباب ذهاب إسرائيل إلى مواجهة تعرف أنها مقبلة يوماً ما. وهي مواجهة غير مستبعدة في ظلّ موقع مصر الجيوسياسي، ووجود حدود طويلة مشتركة مع فلسطين المحتلة، علاوة على ضعف البيئة العربية الواضح، وميل بعض الدول العربية إلى تعميق هذا الضعف عبر دعم المليشيات وسيناريوهات التقسيم في العالم العربي بما يخدم المصالح الإسرائيلية.
ما سبق قد لا يعني بالضرورة أن إسرائيل تحضّر لمواجهة عسكرية ضدّ مصر، لكنّه يؤشّر على أن معاهدة السلام لم تعد تعتبر كافيةً لضمان تحييد الجبهة الجنوبية لإسرائيل. كذلك فإنها، وإن لم تكن تحارب مصر “عسكرياً” الآن، فهي لا تنزعها بالطبع من حسابات التهديد المستقبلية، وهي في هذا السياق تعمل على إضعاف مصر، وحصارها عبر التعاون مع أطراف عربية تموّل الفوضى وتدعمها عند حدود مصر مع ليبيا والسودان. وإذا وضعنا في الاعتبار التغيّر السريع للتوازنات على مستوى الإقليم، وسير إسرائيل نحو هيمنة على شرق أوسط جديد بدعم من الولايات المتحدة، وتحوّل قوىً تضرب في أعماق الحضارة والتاريخ إلى قوىً هامشيةً في ظلّ هذا النظام الجديد، فإن السؤال المطروح ليس عن احتمال اندلاع المواجهة، بل عن موعدها، ومتى تختبر الثوابت، وهل تمتلك مصر خيارات الفعل في وقت تزداد فيه أسئلة المصير إلحاحاً؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...