عبد الله مشنون
كاتب وصحفي مقيم بايطاليا
في خطوة مفاجئة تعكس تحوّلات خطيرة في علاقة الحكومات بشركات التكنولوجيا العالمية، صعّدت السلطات الفرنسية لهجتها تجاه منصة “إكس” (تويتر سابقًا)، وهدّدت باعتقال كبار مديريها، بمن فيهم المالك المثير للجدل إيلون ماسك. هذا التصعيد لم يأتِ من فراغ، بل جاء في سياق متوتر تُعيد فيه فرنسا، ومعها عدد من الدول الأوروبية، رسم حدود السلطة الرقمية ومفاهيم حرية التعبير على الإنترنت.
السلطات الفرنسية فتحت تحقيقًا جنائيًا يُعتقد أنه يستهدف خوارزميات المنصة وآليات التوصية فيها، متهمةً إياها بالمساهمة في نشر محتوى تحريضي، وتسهيل تداول ما تسميه “خطابات الكراهية”. غير أن إدارة “إكس” اعتبرت هذه الاتهامات سياسية في جوهرها، وتحمل طابعًا انتقاميًا بسبب مواقف المنصة التي تتسم بقدر عالٍ من الانفتاح على المحتوى والتنوع في الآراء، بما في ذلك تلك التي تزعج الحكومات.
سيطرة الدولة على الفضاء الرقمي: فرنسا، شأنها شأن العديد من الحكومات الغربية، تسعى للحد من النفوذ المتزايد لمنصات التواصل الاجتماعي، خاصة تلك التي تُدار من خارج أوروبا ولا تخضع للرقابة التقليدية. وهذا الصدام يعكس محاولة للتمسك بالسيادة الرقمية.
الهواجس الأمنية والسياسية: ما بعد هجمات سابقة واحتجاجات داخلية، أصبحت السلطات أكثر تشددًا تجاه المنصات التي لا تُبدي مرونة كاملة في الاستجابة لطلبات الحذف أو تسليم البيانات. في هذا السياق، يُنظر إلى “إكس” كمنصة أقل امتثالًا من غيرها.
إيلون ماسك وعلاقته المتوترة بالمؤسسات: منذ استحواذه على المنصة، أعاد ماسك تشكيل سياساتها التحريرية، فأنهى الرقابة الواسعة، وفتح المجال أمام ما يسميه “حرية التعبير القصوى”، وهو ما لم يُرضِ كثيرًا من الجهات الرسمية في الغرب. المسألة إذن لم تعد فقط حول محتوى، بل حول فلسفة إدارة المنصات وحق الحكومات في التأثير عليها.
الخطير في هذا التطور هو أن التهديد لم يقتصر على غرامات أو حجب جزئي، بل تعداه إلى تهديد مباشر باعتقال المسؤولين التنفيذيين، ما يفتح الباب أمام مواجهة قانونية ودستورية غير مسبوقة بين شركة عالمية ودولة أوروبية كبرى.
في الخلفية، يدور نقاش أكبر: هل من حق الدول أن تفرض وصايتها على محتوى منصات تكنولوجية ذات طابع كوني؟ وهل يُعقل أن تتحول حماية المستخدمين إلى ذريعة لفرض رقابة سياسية موجهة؟
مستقبل العلاقة بين “إكس” والحكومات الأوروبية سيكون مرآة لما ينتظر بقية المنصات، وخصوصًا إذا ثبت أن التصعيد الفرنسي يُخفي رغبة في التحكم بالخط التحريري لمواقع التواصل، خصوصًا مع تزايد تأثيرها على الرأي العام، بل وعلى نتائج الانتخابات أيضًا.
الحرية الرقمية اليوم في اختبار صعب. وإذا لم تُرسم الحدود بوضوح بين حماية المجتمع من خطاب الكراهية، وبين كتم الأصوات المخالفة، فقد نجد أنفسنا أمام موجة جديدة من “القمع المقنّع”، عنوانها الأمن، ووسيلتها القوانين، وضحيتها حرية الرأي.





