عبد الإله بنكيران يحسم الجدل ويؤكد استحالة مشاركة العدالة والتنمية في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة

 

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.

 

 

شهد المشهد السياسي المغربي تحولات دراماتيكية عقب إعلان النتائج الأولية للانتخابات التشريعية التي أسفرت عن خريطة برلمانية جديدة أعادت خلط الأوراق الحزبية وأفرزت موازين قوى مغايرة تماماً لتلك التي طبعت الولاية التشريعية السابقة حيث تصدر حزب الأصالة والمعاصرة المشهد بسبعة وتسعين مقعداً بينما تراجع التجمع الوطني للأحرار إلى المركز الثاني بستة وستين مقعداً بفارق مقعد واحد فقط عن حزب الاستقلال الذي حل ثالثاً بخمسة وستين مقعداً في حين سجل حزب العدالة والتنمية عودة قوية بارتفاع تمثيله من ثلاثة عشر مقعداً إلى أربعة وخمسين مقعداً لتتضح معالم صراع سياسي مبكر حول تشكيل الأغلبية الحكومية ورهانات المرحلة المقبلة التي تتصدرها محطة تنظيم كأس العالم سنة ألفين وثلاثين والتحديات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى وهو ما زكاه التصريح الحاسم للأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران خلال اجتماع الأمانة العامة معلناً قناعته الراسخة بعدم إمكانية مشاركة حزبه في أي حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة ومبرراً هذا الموقف المبدئي بكون هذه الحكومة المرتقبة مشكوك في أمرها وملطخة بشبهات تزوير الصناديق الانتخابية في بعض الدوائر كمدينة طنجة التي قد تنسحب على باقي الدوائر فضلاً عن كون الأصالة والمعاصرة حزباً غير عادي وخطيراً بحسب تعبيره الأمر الذي يجعل خيار الاستمرار في صفوف المعارضة بقوة وفعالية هو الملاذ الأنسب للحزب بعد طي صفحة مخلفات انتخابات ألفين وواحد وعشرين وبعث روح جديدة في صفوف قواعده ومناضليه في مختلف المدن والقرى والبوادي الذين أبانوا عن جاهزية وعزم كبيرين خلال الحملة الانتخابية.

وبصفتي صحفياً من مغاربة العالم مقيم في ايطاليا حين تابعت بتمعن تصريحات الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الأستاذ عبد الإله ابن كيران وما تحمله من إصرار على صون الموقف المبدئي ورفض منطق التموقع العشوائي خالجتني قناعة عميقة بأن هذا القرار وإن كان يطوي في طياته تحديات سياسية جمة فإنه يترجم بصدق رغبّة في حماية ثقة الناخبين وكرامة العمل الحزبي. ومن نافذة هذا المقال واستقرائاً لمسار النزاهة والالتزام الذي يطبع عمل هذا التنظيم أؤكد قولي إنه لو قُدر لي يوماً أن أختار انتماءً حزبياً في وطني الحبيب لما تردد لحظة في اختيار حزب العدالة والتنمية نظراً لثبات مبادئه ونظافة أيادي مناضليه وسمو رؤيته الوطنية التي تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.

وفي المقابل تعاملت قيادة الأصالة والمعاصرة ببرود نسبي مع هذه الهجمات المباشرة معتبرة عبر منسقة قيادتها الجماعية فاطمة الزهراء المنصوري أن التحالفات لا تختزل في أشخاص معينين أو تصريحات زعيم حزبي واحد مستثنية بنكيران وحده من باقي القيادات ومؤكدة أن الأبواب تظل مفتوحة أمام البرامج الجادة دون خطوط حمراء مسبقة في انتظار الحسم الملكي الدستوري لشخصية رئيس الحكومة القادم الذي سيقود مشاورات الأغلبية.

أما في معسكر حزب التجمع الوطني للأحرار فقد آثر رئيس الحزب محمد شوكي الصمت والتروي بانتظار تدارس دلالات هذا التراجع الانتخابي داخل الهيئات التقريرية والتنظيمية للحزب بروح مسؤولة وبعيداً عن التبريرات السهلة.

وهكذا تتأكد استحالة التقارب السياسي بين المصباح والبام في ظل جذور الخلافات العميقة والاتهامات المتبادلة والتشكيك في شرعية المخرجات الانتخابية وهو ما يكرس اصطفاف حزب العدالة والتنمية في مربع المعارضة البرلمانية الصارمة رافضاً التواجد تحت قيادة حزب يتهمه بتجاوزات مساطر النزاهة وصناديق الاقتراع ليترك الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات حكومية معقدة تتطلب من الحزب المتصدر بحث خيارات بديلة لتأمين الأغلبية المطلوبة تحت سقف الدستور ورهانات التنمية الميدانية والوفاء بالتزامات التخطيط الرياضي والاقتصادي للبلاد.

وختاماً فإن هذا القرار الحازم الذي اتخذه الأمين العام لحزب العدالة والتنمية بعدم المشاركة في أي حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة لم يأتِ من فراغ بل هو نابع من رؤية سياسية عميقة وأمانة ثقيلة يحملها الحزب تجاه مبادئه وتاريخه النظيف. وبحكم أن المواطن المغربي يضع ثقته الكبيرة في خطابه السياسي وتوجهاته ولأن مناضلي الحزب وقواعده ظلت أيديهم نظيفة لم تلطخها شبهات تضارب المصالح أو نهب أموال الشعب فقد ظل الحزب وفياً لتعاقده الأخلاقي مع الشارع. ورغم كل حملات التشويش والاقصاء والتشويه المبرمج عبر الذباب الإلكتروني استطاع الحزب أن يفرض ذاته وينتزع المرتبة الرابعة بقوة وصمود مسجلاً حضوراً مشرفاً في محطة انتخابية تميزت بنظافتها ورقيها لم يكن فيها لا لحم ولا برقوق ولا دجاج محمر بالزيتون والدغميرة ولا 200درهم لمن حضر الحملات الانتخابية بل كان الشعار الصريح هو أن من يريد المعقول والجدية فليلتحق بنا.

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics