ثلاثي الحكومة حافظ على أغلبيته رغم تباين نتائجه.. هل شهدت انتخابات 2026 “تصويتا عقابيا” أو مجرد تغيير في موازين القوى بين “البام” و”الأحرار” و”الاستقلال”؟

إيطاليا تلغراف متابعة

لم تُسقط نتائج اقتراع 23 شتنبر الأغلبية السابقة من الناحية العددية، لكنها أعادت ترتيب موازين القوة داخلها، فقد تراجعت حصيلة أحزاب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال مجتمعة من 270 إلى 228 مقعدا، وظلت بذلك متجاوزة عتبة الأغلبية، فيما انتقلت الصدارة من الحزب الذي قاد الحكومة إلى أحد شريكيه فيها.

غير أن خسارة 42 مقعدا لم تتوزع بالتساوي بين مكونات الائتلاف، إذ تقدم الأصالة والمعاصرة من 87 إلى 97 مقعدا، مقابل تراجع الأحرار من 102 إلى 66، والاستقلال من 81 إلى 65 مقعدا، وتفتح هذه النتائج باب البحث في أسباب تحمل حزب رئاسة الحكومة الجزء الأكبر من كلفة الولاية، مقابل نجاح “البام” في تعزيز موقعه رغم مشاركته في تدبيرها.

ويبدأ تفسير هذا التفاوت من اختلاف المواقع داخل الحكومة نفسها، فالتجمع الوطني للأحرار لم يكن مجرد شريك في الائتلاف، بل تولى رئاسته وقاد الجهاز التنفيذي، ما جعله الواجهة السياسية الأولى للقرارات والوعود والانتظارات الاجتماعية طوال الولاية، أما الأصالة والمعاصرة والاستقلال، فشاركا في التدبير من خلال قطاعات وزارية مهمة، من دون أن يتحملا بالدرجة نفسها المسؤولية الرمزية المرتبطة برئاسة الحكومة، لكن موقع القيادة لا يفسر النتيجة وحده، إذ تتداخل معه قوة المرشحين وشبكات الأحزاب داخل الدوائر وقدرتها على تمييز صورتها عن الحصيلة الحكومية المشتركة.

ودخل حزب “الحمامة” الاقتراع وهو يحاول الجمع بين انتقال قيادته الحزبية إلى محمد شوكي واستمرار مسؤوليته الحكومية بقيادة عزيز أخنوش، غير أن هذا الفصل التنظيمي لم يقطع الصلة السياسية بين الحزب والولاية المنتهية، خصوصا أنه قدّم برنامجه الجديد مقرونا بحصيلة 2021-2026، واختار الدفاع عن استمرارية الأوراش والإصلاحات التي قادتها الحكومة.

وجاء التصويت بعد ولاية تصدرت خلالها القدرة الشرائية والتشغيل وجودة الخدمات الاجتماعية النقاش العمومي، وهي الملفات التي كان حزب رئاسة الحكومة الطرف الأكثر مطالبة بالدفاع عن تدبيرها، ولا يثبت ذلك أن كل مقعد خسره الأحرار كان تصويتا مباشرا ضد الحصيلة، لكنه يجعل الحزب أكثر عرضة من شريكيه لتحمل أثر الانتظارات التي لم يعتبر جزء من الناخبين أنها تحققت.

وظهرت كلفة التراجع في دوائر ذات دلالة، ففي عمالة مراكش فقد “الأحرار” المقاعد الثلاثة التي كانوا يشغلونها، بينما تقاسمت الأصالة والمعاصرة والاستقلال والعدالة والتنمية المقاعد التسعة، بثلاثة لكل حزب، كما خرج الحزب من دائرة الرباط المحيط من دون مقعد، بعدما كان ممثلا فيها خلال الولاية السابقة، لتكشف النتيجتان أن التراجع لم يقتصر على الحصيلة الوطنية، بل شمل مواقع حضرية كان الحزب حاضرًا فيها سنة 2021.

في المقابل، لم يسعَ الأصالة والمعاصرة إلى التنصل من حصيلة الحكومة أو التحول إلى معارضة داخل أغلبيتها، فقد أكدت قيادته قبل الاقتراع تحمّل الحزب مسؤوليته داخل الائتلاف، بالتوازي مع إعلان طموحه إلى احتلال المرتبة الأولى، وأتاح له هذا التموضع الدفاع عن مشاركته الحكومية مع خوض الانتخابات بهوية حزبية مستقلة عن التجمع الوطني للأحرار، الذي ظل الواجهة الأولى للحكومة.

واستند حزب “الجرار” كذلك إلى القيادة الجماعية التي اعتمدها منذ مؤتمره الخامس سنة 2024، وإلى تنظيماته المحلية والجهوية، مع الدفع بوجوه قيادية ووزارية في دوائرها، ليُسفر عن ذلك فوز فاطمة الزهراء المنصوري في مراكش، وعبد اللطيف وهبي في تارودانت الشمالية، وأديب بن إبراهيم في الرباط شالة، فيما تصدر المهدي بنسعيد دائرة الرباط المحيط.

وتُظهر هذه النتائج أن الحزب جمع بين حضور قياداته الوطنية وقوة ترشيحاته المحلية، مستفيدا في الوقت نفسه من هامش التمايز الذي أتاحه عدم توليه رئاسة الحكومة.

أما حزب الاستقلال، فلم يخرج رابحا من الاقتراع، إذ فقد جزءا مهما من تمثيله السابق، إذ تراجع بـ16 مقعدا، ولم يحقق طموحه المعلن في المنافسة على الصدارة، لكنه تجنب في المقابل حجم الانكماش الذي أصاب التجمع الوطني للأحرار.

ويُنتظر أن يكون موقعه كشريك غير قائد داخل الحكومة، وعدم توليه الحقائب الوزارية الخاصة بالقطاعات الاجتماعية الأكثر حساسية كالصحة والتعليم والتشفيل، قد خفف تعرضه المباشر لـ”المحاسبة”، من دون أن يعفيه كليا من كلفة المشاركة في تدبير الولاية.

وتظهر النتائج أن التراجع الوطني لم يُفقد الحزب قدرته على حماية بعض مواقعه المحلية، فقد تصدرت لائحة نزار بركة النتائج في العرائش، فيما حل الاستقلال ثانيا في بركان، كما حافظ على مقعده في طنجة، بما يدل على استمرار فاعلية بعض قواعده ومرشحيه.

ومنحت الحصيلة النهائية “الميزان” موقعا سياسيا يفوق دلالة المرتبة الثالثة، إذ لم يعد يفصله عن الأحرار سوى مقعد واحد، كما يمنح مجموع مقاعده مع الأصالة والمعاصرة الحزبين 162 مقعدا، أي إنهما يحتاجان إلى 36 مقعدا إضافيًا لتكوين أغلبية، ما يجعل الاستقلال مرشحا ليكون شريكا محوريا في مفاوضات الحكومة المقبلة، وإن كان تعدد صيغ التحالف الممكنة يمنعه من احتكار دور الحزب الحاسم.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics