عائشة بلحاج
صحافية وشاعرة مغربية.
لو علم زياد بما كان ينتظره في وداعه، من حزنٍ لفّهُ به عدد لا حدّ له من الناس، ربّما كان ليسخر من الأمر، ويغيّر الموضوع مفضّلاً الحديث عن شيء آخر. لكنّه في العمق سيكون ممتنّاً، وسيجد أن احترافه في معظم حياته الموسيقية لم يذهب هدراً، وأن الفنّان يعيش بجمهوره، ولا عزاء لحياته سوى نجاح إنتاجه في تلمّس الناس.
خصوصية زياد أنه كان مثيراً للجدل، وناقداً مبدعاً للواقع، ولم يكن فنّاناً مهادناً للسياق، ولا مراعياً للصورة الرحبانية الرومانسية. وما ناله من نقد وهجوم، وهو لا بد توقّعه بالنظر إلى جرأته وحساسية بعض مواقفه، تهاوى الآن بعد وفاته. فصحيح أنه عاش على أكثر من مستوى، لكنّه مات فنّاناً فقط. لكن بماذا ينفع الميت هذا الحبّ؟ أن يحبّ الناس شخصياتٍ بعد موتها، أكثر من حياتها؟
في المقابل، تعرف فيروز قدر الحبّ الذي يسكن الناس تجاهها، وهي حيّة ترزق في الأرض، ولن يصعب عليها تصوّر ردّة الفعل على وفاتها. ما الفرق بين فيروز وزياد؟ المسار والشهرة والتقدير كلّها موازين تميل إلى صالح الأم، لكن هذا ليس وحده الفارق، بل أيضاً الصمت عن مواضيع الخلاف، ومراعاة الواقع. لو تكلّمت فيروز في كلّ الأزمات التي مرّت منها بلادها، والمنطقة، هل كانت لتحتفظ بهذا القدر كلّه من الحبّ؟
لعلّ محمود درويش أكثر من أحبّه الناس حيّاً وميتاً، رغم أنه كتب أنهم يحبّونه ميتاً. غير أن معظم من لم يحبّوه لم يكونوا من الجمهور أو القرّاء، بل بعض الزملاء الذين كانوا يرون فيه الشجرة التي أخفت الغابة. الموقف من زياد يتساءل عن الفارق بين أن تقول رأيك في الأزمات الشائكة، التي تفرّق الناس إلى طوائف وفئات، أو أن تحتفظ به، وتظلّ على الحياد حبيباً للجميع.
الفرق بين فيروز وزياد، في طبيعة إبداع كلّ منهما، فيروز صوت الآخرين، وهم الشاعر والملحّن والموسيقي والكاتب، وزياد هو كلّ هذا. عمله يفترض وجود قدر هائل من حرّية وطلاقة التعبير، ليُبدع ويخلق الجمال من لا شيء. وشخص له هذه المهمة، لا يمكن أن يحرس فمه وعقله، لأنه لولا ذلك لما بلغ مناطق غير مطروقة في الأدب والفنّ. فالحرية والجنون، والخروج من المألوف والسيطرة والسياق العام والتفكير الشائع… هي ما تجعله مبدعاً خلّاقاً.
هذا الطبع يضعه في موقف حرج حين ينطق بما ليس على الهوى العام. وما من شيء على الهوى العام حقيقةً، فهو هوىً مُتذبذب غير مستقرّ على يمين أو يسار. والحديث هنا ليس عن مواجهة سلطة أو حكومة، بل عن مواجهة سلطة الحشود، أن يكون للمرء رأي مخالف، يخسر بسببه جزءاً من الحشود. مع أن الحشود نفسها تطالب باتخاذ موقف، وهو الموقف الموافق لها لا الموقف المعارض. وفيروز رأت بلادها وهي تمرّ بسلسلة من الحروب والنزاعات داخلها وحولها، ولم تقل كلمة، واحتفظت بالحبّ كاملاً.
لهذا سيكون الرّاثون في عزاء فيروز (مثلاً) بحجم أمّة من العاشقين الذين لم تخدش لهم فيروز خاطراً، رغم أنّهم تمنّوا لو أنها طلّقت الصمت، لصالح قضية أو أخرى. فيروز صمتت عن جميع القضايا، حتى لا تتكلّم في القضية الخطأ، وربّما لأنّ الصمت يجنّبها كلّياً حرج الاختيارات. فالتعوُّد على التصريح عن المواقف، قد يدفع لسانها لأن يتمرّد، وينطق بما لا يجب، فاللسان المُنطلق تصعب السيطرة عليه.
أخذ زياد على عاتقه إعادة رسم صورة لبنان بشكل واقعي يتمعّن في الفوارق أكثر ممّا يحتفي بالمشتركات، وفيروز ظلّت محافظةً على صورة لبنان المسالم البسيط، في صورة ضيعة تضمّ جيراناً طيبين. أمّا زياد فرأى بوادر الحرب الأهلية في وقت كان فيه الرحابنة يروجون صورة لبنان المثالي. زياد اعتنق حداثة شاملة وحقيقية ومتعدّدة، بدلاً من الرحابنة الذين خرجوا بالكاد من عباءة الرؤية التقليدية، والمحافظة على التراث مع تطويره. بينما الحداثة تتطلّب من صاحبها أن يكون شائكاً ناقداً ناقماً، وإلا فهي مجرّد شعار، يغطّي تفكيراً محافظاً تقليدياً، مستكين إلى الواقع، وهذا ما لم يفعله زياد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





