إذا اندلعت الحرب

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عائشة بلحاج
صحافية وشاعرة مغربية.

 

 

منذ بداية حرب أوكرانيا، تُحضِّر دول أوروبية نفسها تحسّباً لاحتمال اندلاع حرب، حتى إن رؤوس أموال كثيرة (للسخرية) تهرب من أوروبا إلى الشرق الأوسط، المنطقة التي تأكلها الحروب وتتهدّدها منذ عقود، وبالتحديد إلى دبي، على بُعد كيلومترات من المناطق الأشدّ نكبة في العقود الماضية. مع ذلك، يجد هؤلاء أن رؤوس أموالهم أكثر أماناً هنا منها في أوروبا. هل لأنّ الحرب هنا يُتحكَّم فيها هناك، وبالتالي، المصالح الغربية محفوظة ومُصانة، على عكس ما يحدث حين يتعلّق الأمر بحرب تشنّها الجارة الشرقية “المفترية”؟ تلك مسألة أخرى.

هروب رؤوس الأموال المعروفة بجبنها التاريخي ليس مؤشّراً كافياً، فالأمر تجاوز الخوف إلى الإجراءات العملية التي تُتّخذ في حالة التأهّب القصوى للحرب. منها اللجوء إلى أساليب إجبارية لتجنيد الشباب الذين لا رغبة لهم في دخول الجيش. فالأجيال الجديدة المرفّهة في الدول المتقدّمة لا ترغب في حمل السلاح لخوض حرب، فالوطن الذي يؤمنون به غالباً يتحدّد في ذواتهم، في عصر الفردانية المطلقة، وقد يجدون أنفسهم (للسخرية مرّة أخرى) وهم يجنّدون الشباب من أصول مهاجرة.

ازداد سوء طالع أوروبا مع أميركا ترامب التي بدأت في تخفيف عدد جنودها في ألمانيا، لتوزيعهم بين باقي الدول، في رسالة واضحة بعدم استعداد ترامب لدعمها، وبمحاولته دفعها إلى تسويات مع الإمبراطور بوتين، فهو يحترم الأقوياء ويشتري راحته في ما ليس له فيه مصلحة. وليس أذكى من رجال الأعمال في حفظ المال.

وكم من حرب تجنّبناها باستخدام الخصم العمليات الرياضية لحساب الخسائر، أمام غول يبدو عازماً على التخلّص من مشكلات الشرق الأوسط بإخضاع مصادر الخطر كلّها. فـ”الانتصار في جميع المعارك ليس قمة المهارة، بل التفوّق الأعظم هو كسر مقاومة العدو من دون أيّ قتال”. كما قال منذ آلاف السنين القائد الصيني، صن تزو، صاحب كتاب “فنّ الحرب”. فـ”فنّ الحرب، هو أن تغنم مدينة العدو كاملة وسالمة، أمّا تقسيمها وتدميرها فليس بالأمر الحصيف”.

الدول الأخرى، من جهتها، تحثّ مواطنيها على البقاء على أهبة الاستعداد “إذا اندلعت الحرب”. فالجيش النرويجي يُرسل بشكل منتظم بلاغات إلى النرويجيين تذكّرهم، والذكرى تنفع المواطنين، بإمكانية مصادرة منازلهم ومركباتهم. بينما تُرسل هيئة الدفاع المدني السويدية كتيّباً إرشادياً خاصّاً إلى أصحاب المشاريع، يدعوهم إلى الاستعداد لاحتمال وقوع أزمة، أو لا سمح الله “اندلاع حرب”، لتحضير سيناريوهات الحفاظ على ديمومة الإنتاج، وتزويد الدولة بما تحتاجه لوجستياً.

من جهته، وفي كونٍ آخر، يُلوّح بلطجي العالم ترامب بالحروب كما يُلوّح بمروحة، لا أحد يعرف على من سترسو عليه الخطّة المقبلة، لكن المنطق هو: ستندلع الحرب لا محالة. وهل يعرف أحدهم ما معنى أن يخوض حرباً ضدّ الدولة الأعظم، ولو بالتلويح، مع تلك الأسلحة اللانهائية كلّها التي يكفي أخفُّها لمحو مدن ودول، لهذا تجد في أكثر من خطاب لترامب تبجّحه بأنه أنهى أكثر من حرب في حكمه، فيكفي أن يخفّض مستوى الصراع في منطقة، فلا تشكّل مصدر إزعاج له، بل مصدر استهلاك مستمرّ للأسلحة، ليقول إنه أنهى الحرب، وكأنّ ميزان الحروب في يده.

يقول منطق ترامب إن التهديد بالحرب أهمّ من الحرب نفسها، ليس فقط للإخضاع السياسي والعسكري للدول “المزعجة”، بل خدمة لمصالحه الاقتصادية، وهي الأسباب الأولى التي تقود كاوبوي المال. التهديد بالحرب، يرفع الأسعار إلى درجات جنونية، وانخفاض احتمالاتها يعني انخفاض الأسعار، وبين المرحلتين قد لا تمر سوى أيام أو ساعات، والشاطر يكدّس أمواله في كلتا المرحلتين.

أميركا وهي تخوض حروبها في الشرق الأوسط، لا تحضّر نفسها، بما يكفي بالنسبة إلى أوروبا، لحرب ممكنة مع روسيا، كما تفعل دولها، وهي دول من بين الأكثر أماناً ورفاهية في العالم، مع ذلك يؤرق الاستعداد للحرب مسؤوليها، بينما يعيش الفلسطيني واللبناني والسوري والليبي والعراقي واليمني في حالة تتراوح درجاتها بين الحروب المعلنة والنزاعات التي تقودها دول أجنبية، وأعمال العنف… حياة كاملة لا يسبقها استعداد ولا ينهيها سلام.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...