عائشة بلحاج
صحافية وشاعرة مغربية.
أَقدم العامل الإيطالي في متحف اللوفر، فينتشنزو بيروجي، في العام 1911 على سرقة لوحة الموناليزا لإعادتها إلى إيطاليا، واعتبره الإيطاليون بطلاً قومياً، لأنّه أعاد إلى البلاد ما هو ملك ثقافي لها. لكنّ اللوحة استُعيدت بعدها بثلاث سنوات، ولم تَعُد اللوحات تُسرق من اللُّوفر، إلا لقيمتها المالية، مع أنّ كثيراً من محتوياته منهوب علناً من طرف فرنسيين، على مدى قرون، من حضاراتٍ لا يُمكن حصرها، ولا يرتفع صوت فرنسي داخلي للمطالبة بإعادتها، رغم أنّ اللصوص وأصحابها الأصليين موجودون إلى الأبد، فالأعمال تنتمي إلى دول لا يسقط حقّها في ملكية ما هو لها.
هناك أعمال فنّية عظيمة تملكها جهات غريبة فقط بمحض المصادفة، أو بقاعدة من وصل أولاً. أعمالٌ اشتراها أشخاصٌ برُخص التراب، وبعد فترة ارتفعت قيمتها مع ارتفاع أسهم مبدعيها. قد نقول إنّهم قدّروا الفنّان مبكّراً، لكن قد نقول أيضاً إنّهم استغلّوا وضعه، واقتنوا أعماله بثمن بخس، مع أنهم يدركون أنّ سعرها سيتضاعف، حين يراها العالم.
وهناك آثار شديدة الأهمية والجمال، تعرضها متاحف عالمية بلا حياء، بعد أن سرقتها دولة مستعمِرة أو تجّار الحروب من أماكن العُثور عليها أو عرضها. ورغم أنّ العالم كلّه يعرف أصل تلك الآثار، وأنّ ملكيتها لهذه الدولة الأوروبية أو تلك تأتّت في ظروف غير قانونية، قلما تثار إشكالاتها جدّياً. ولا يمكن أن يزعم متحف غربي أنّه لم يكن يعرف أنّ قطعة أو أخرى منهوبة، ما دامت الآثار ملك الدول لا الأشخاص.
رغم شعور الشاب الإيطالي، وآخرين غيره، بالمرارة لأنّ ثروة بلدانهم الفنّية تُباع، لكن لا مجال لفعل شيء أمام ما بِيع بالتراضي. بينما يجب أن تُعاد الآثار، حتى لو تم “التصرُّف” فيها أيام الفوضى، إلى دُولها. وربّما تسمح هذه الدول بعقود إيجارٍ لفائدة بعض الجهات العارضة، مع أنّها قد تستفيد أكثر في عرضها في بلادها، فهي ثروة وطنية مُدِرّة للدخل، لأنّ هناك من يسافر فقط من أجل لوحة أو منحوتة. الطلب هنا سيكون قابلاً للتنفيذ. على الأقلّ هنا المخاطب رسمي، بينما لا يمكن استعادة جزء مهم من آلاف الأعمال الفنّية العراقية المسروقة بعد 2003 من متاحف بغداد، رغم أنّ جهود الإنتربول أعادت 3200 منها.
مع ذلك، يبقى الهامش مفتوحاً للخلاف حول مِلكية بعضها، إذ تزعم أحياناً جهاتٌ مِلكيةً رمزيةً لها مثل ما حدث مع لوحة “غرنيكا” لبيكاسو، إذ تقدّمت حكومة إقليم الباسك في إسبانيا منذ أيّام بطلب رسمي إلى وزارة الثقافة الإسبانية لإعارتها إلى أحد متاحف الإقليم، مع اقتراب الذكرى التسعين لقصف غرنيكا الباسكية عام 1937، نوعاً من “الإنصاف الرّمزي”. لكنّ نقل العمل مُخاطرة كبيرة لهشاشته، حتى إنّه لم يُنقل منذ أكثر من 30 سنة، ولذا رفض وزير الثقافة الطلب، وإن كانت فيه وجاهة. ويواجه العمل الفنّي هنا دوره التاريخي، فلا الفنّان ولا اللوحة ينتميان إلى الباسك، إنّما تريد المنطقة ذات الكبرياء الجريح، بعض “الطبطبة” من الدولة لأنّها مُلهمة اللوحة، لكن هل يمكن لموناليزا أن تُطالب باستعارة لوحتها لو كانت حيّةً؟
من منطقة ثانية تعلو أصوات أخرى، لكن ليس لطلب نقل أعمال، بل للاحتجاج على نقل أخرى، إذ وقّع قرابة 400 شخصية ثقافية وفنّية مكسيكية، رسالةً مفتوحةً تطالب الحكومة بتوضيح مصير مجموعة غيلمان، التي تشمل 160 عملاً فنّياً مكسيكياً في القرن العشرين، وتحديد مدّة بقائها خارج البلاد، بعد أن اتفقت مؤسّسة “بانكو سانتاندير” الإسبانية مع العائلة المالكة للمجموعة، لإدارتها. تضمّ المجموعة 18 عملاً لفريدا كاهلو، إلى جانب أعمال لدييغو ريفيرا، وروفينو تامايو، وآخرين.
للعلم، هذه الأعمال تمتلكها جهة خاصّة، يمكن أن تبيعها لخواصّ يعرضون مبالغ مغرية، لكنّ فنّاني البلاد، بوجهة نظر معقولة، يرون أنّها ملكية ثقافية وطنية لا ينبغي “التصرّف” بها. مع أنّ 30 منها تحمل بالفعل صفة مَعْلم فنّي، وتحظى بالحماية باعتبارها تراثاً ثقافياً للبلاد. في ردّها أشارت شركة سانتاندير إلى أنّ الأعمال المحميّة ستعود إلى موطنها بحلول عام 2028. لكن ماذا عن الـ130 الباقية؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





