حبس ووقف العقار: استمرار السلطة الرمزيّة من وراء القبر وتأثيرها على العدالة الاجتماعيّة
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
يُنظر إلى الوقف تاريخيًا باعتباره إحدى الركائز التي أسهمت في صوغ البنية الرمزيّة والاقتصاديّة للمجتمعات الإسلاميّة.
فقد اجتمع فيه البعد الديني مع الوظيفي، ليؤدي أدوارًا متشابكة، منها:
– حماية الملكية،
– وضمان التكافل الاجتماعي،
– وتوجيه الثروات نحو مقاصد الخير.
غير أنّ هذا البناء، الذي ينهض في جوهره على مقصد البرّ والإحسان، ينكشف في الممارسة أحيانًا عن صورة مغايرة، حيث يغدو الوقف وسيلة لتأبيد واستمرار السلطة الرمزيّة للأبوين أو الجدّ والجدّة، ممتدة من عالم الأحياء إلى ما بعد الوفاة.
من هنا، فإنّ الإشكالية التي يستدعيها الموضوع لا تقتصر على ضبط الوقف من زاوية فقهيّة أو قانونيّة صِرفة، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة وظيفته الرمزيّة والاجتماعيّة:
كيف تتحوّل مؤسسة شرّعها الفقه لتحقيق التضامن إلى آلية تقييد للورثة وتكريس لهيمنة الذاكرة الأبويّة؟ وأيّ أفق يمكن أن يفتح لإعادة التوفيق بين مقاصدها الأصليّة وحاجات المجتمع الراهن؟
* أولًا: الوقف بين مقاصد الشريعة وتحولات الممارسة
في التصور المقاصدي، يُعد الوقف تجسيدًا لمبدأ العدالة الاجتماعيّة وحماية المال من التبديد، وهو بهذا المعنى مؤسسة تضامنيّة أكثر منها وصيّة فرديّة.
غير أن الواقع الاجتماعي يكشف عن صور أخرى مغايرة، حيث يتم تجميد الملكيّة ضمن شروط معقدة تربطها إرادة الواقف لا حاجة الورثة.
هنا تتبدى المفارقة المؤلمة: فبينما يقصد الشرع إلى ربط المال بالمصلحة العامة والخير الممتد، يُستعمل الوقف أحيانًا لتكريس سلطة أبوية لا تنتهي، بما يحيل إلى إشكالية أخلاقيّة وفكريّة: هل تظل وصيّة الواقف ملزمة حين تنقلب على المقاصد التي شرعت من أجلها؟
* ثانيًا: التشريع المغربي بين التقييد والانفتاح
استلهم المشرّع المغربي المرجعيّة المالكيّة في تقنين الوقف، فسمح بالوقف الأهلي والعائلي، مع جواز التعاقب بين طبقات المستحقين.
غير أنه، إدراكًا لتعقيدات التركة عبر الأجيال، فقد قيّد هذا الامتداد بثلاث طبقات كحدّ أقصى.
هذه الصياغة التشريعيّة تعكس محاولة للتوفيق بين احترام إرادة الواقف من جهة، وصون مصالح الورثة وتسهيل التداول العقاري من جهة أخرى.
لكنها تُثير سؤالًا ضمنيًا، وهو: إلى أي حد يكفي الضبط القانوني لوقف التعسف الرمزي والاجتماعي؟ وهل يمكن للقانون وحده أن يحرر المال الموقوف أو المحبس، من ثقل الذاكرة الأبويّة؟
* ثالثًا: السوسيولوجيا الخفيّة للوقف: الهيمنة الرمزيّة واستدامة السلطة
بعيدًا عن النصوص، يكشف الوقف عن طبقة سوسيولوجيّة أكثر عمقًا. فحين يُربط بشرط “هَا الرضا، وهَا السّخط”، أو يُعلّق على ميلاد أحفاد لم يولدوا بعد؛ يصبح الوقف فعلًا يتجاوز القانون إلى الفضاء الرمزي.
هنا يشتغل الوقف كآلية للهيمنة الرمزيّة، حيث يظل الورثة محكومين بظلّ الأبوين أو الجد أو الجدّة، وكأن السلطة لا يعصف بها الموت.
هذه البنية الرمزيّة لا تكتفي بتقييد الملكيّة، بل تُنتج ذاكرة عائليّة مثقلة، يتناوب فيها الحاضر والماضي على تشكيل الوعي واللاوعي الجمعي. وبذلك يصبح الوقف ظاهرة سوسيو-أنثروبولوجيّة، تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصاديّة مع الرمزيّة، والدينيّة مع النفسيّة، بما يجعلها أكثر تعقيدًا من مجرد نظام حقوقي.
* رابعًا: من الوقف كرهان شخصي إلى الوقف كأفق اجتماعي
إذا كان الوقف قد وُضع ابتداءً لتحقيق المصلحة العامة، فإن إعادة توجيهه اليوم تستلزم تحرره من النزعة العائليّة الضيقة. ومعنى؛ ذلك فتحه على مشاريع تنمويّة وتعليميّة وصحية وبحثيّة، بدل حبسه في وصايا جد معقّدة وتعجيزيّة تحكمها الذاكرة الأبويّة.
إن هذا التحول لا يتطلب إلغاء الوقف الأهلي، وإنما إعادة تأويله ليكون رهينًا لمشترك اجتماعي أوسع، في توازن بين الوفاء للماضي والانفتاح على المستقبل. وهو ما يطرح تحديًا على الثقافة القانونيّة والفقهيّة معًا:
فكيف نعيد قراءة الوقف بما يجعله مؤسسة للتنميّة لا مجرد امتداد رمزي لسلطة الواقف؟
* خلاصة:
ليس الوقف مجرد مؤسسة قانونيّة أو وصيّة عائليّة، بل هو في العمق نصٌّ رمزي يدوّن رغبة الإنسان في مقاومة الفناء، وإبقاء أثره ممتدًا بعد الموت.
غير أنّ هذه الرغبة، حين تنقلب إلى تقييد مُحكم للورثة أو استدامة لسلطة الماضي، تتحوّل إلى مفارقة:
فكيف يمكن لما صيغ باسم الرحمة أن ينقلب إلى عبء، ولما شُرع للتكافل أن يصير أداةً للهيمنة العبثيّة؟
في ظل هذا التوتر بين المقصد والواقع، بين النص والذاكرة، تتجلى إشكالية الوقف باعتباره أكثر من نظام فقهي:
إنه مرآة تُظهر تعقيدات العلاقة بين الفرد والجماعة، بين السلطة والحرية، بين الموت والحياة.
وبالتالي فإن التفكير في إصلاح هذه المؤسسة لا يقتصر على ضبط القوانين، بل يستدعي إعادة مساءلة علاقتنا بالزمن والذاكرة والسلطة الرمزية التي نُورّثها لمن بعدنا.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛
المفكّر والباحث المغربي المتخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والأنثروبولوجي والاقتصادي والثقافي والبيئي؛ من مواليد 13 يونيو 1970 بفم زكيد إقليم طاطا؛
يُعد من أبرز الأسماء في المشهد الأكاديمي والثقافي بالمغرب.
– محصل على شهادة الإجازة في الحقوق (تخصص الإدارة الداخليّة)
– ومحصل على شهادتين للدراسات العليا:
1. الأولى في علم السياسة
2. والثانية في علم الإدارة.
– محصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإداريّة.
– محصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق
* وذلك كله بكليّة الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش
* له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته:
* الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
* الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)،
* والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
* الصوفيّة وأدوارها في الأمن المجتمعي: من آليات الضبط التقليدي إلى رهانات الاستئناف الروحي في زمن الأزمات (كتاب جماعي (2025)





