بين عبء الصورة وبراءة الفرد: في نقد التعميم وإشكالية العدالة في تقييم جَالِيَّاتِ المَهْجَر

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

يثير حضور الجاليات المهاجرة داخل مجتمعات الاستقبال جملةً من الأسئلة المركبة التي تتجاوز البعد القانوني المباشر إلى مستويات أعمق تتصل بالهوية والانتماء والتمثلات الجماعية وآليات بناء الأحكام الاجتماعية.
فكلما برزت بعض السلوكات المنحرفة الصادرة عن أفراد أو مجموعات محدودة داخل جالية معينة، عاد إلى الواجهة سؤال قديم يتجدد بصيغ مختلفة: هل يمكن أن تتحول أخطاء بعض الأفراد إلى وصفٍ ملازم لجماعة بأكملها؟ وأين تنتهي المسؤولية الفردية لتبدأ مسؤولية الجماعة؟

لا جدال في أن بعض الأقليات المنتمية إلى جاليات مهاجرة قد تنخرط أحياناً في ممارسات تمسّ أمن الدولة المضيفة أو مصالحها الاستراتيجية؛ من قبيل التخابر أو التجسس أو خدمة أجندات خارجية أو الالتفاف على القوانين المنظمة للحياة العامة. كما قد تنشأ توترات اجتماعية وثقافية بسبب أنماط عيش أو أعراف أو ممارسات دينية يراها بعض أفراد المجتمع المضيف متعارضة مع منظومته القيمية أو مع الصورة التي يحملها عن هويته الجماعية.

وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار أن بعض الأقليات من الجاليات المقيمة ببلد المهجر قد تخلق من المتاعب للدولة المستضيفة ما يفوق أحياناً مجرد المخالفات الفردية العابرة؛ سواء من خلال الانخراط في أنشطة تجسسية أو تخابرية، أو من خلال أداء أدوار وظيفية لصالح جهات خارجية تتعارض مصالحها مع مصالح بلد الإقامة.
كما قد تُثار حول بعض الممارسات المرتبطة بالعادات والتقاليد والأعراف أو أنماط اللباس وأداء الشعائر الدينية نقاشات حادة داخل المجتمع المضيف، خصوصاً حين يُنظر إليها باعتبارها متعارضة مع منظومته القيمية أو مع أسلوب عيشه السائد. بل إن بعض هذه المظاهر قد تُقابل، لدى فئات من الرأي العام، بدرجات متفاوتة من الرفض أو النفور أو الاستهجان لما يُعتقد أنها تُحدثه من صدام مع المرجعيات الثقافية والقانونية للمجتمع.

غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود هذه الوقائع بحد ذاتها، بل في الكيفية التي يتم بها تأويلها وتحويلها من أفعال جزئية إلى أحكام كلية. وهنا يبرز سؤال إشكالي يستحق التأمل: متى تتحول الملاحظة المشروعة لسلوك منحرف إلى آلية ذهنية لإنتاج الصور النمطية؟ وهل يكفي تكرار حادثة أو عشر حوادث لكي تصبح دليلاً على طبيعة جماعة كاملة؟ أم أن العقل النقدي يقتضي التمييز بين الوقائع باعتبارها أحداثاً محددة وبين الأحكام العامة باعتبارها بناءات ذهنية قد تنفصل عن الواقع أكثر مما تعكسه؟

إن إحدى المعضلات الكبرى في النقاشات المرتبطة بالهجرة ليست نقص المعطيات، بل فائض التعميم. فالعقل البشري يميل بطبيعته إلى البحث عن أنماط تفسيرية سريعة تختزل التعقيد في صور مبسطة؛ غير أن ما يبدو تفسيراً سهلاً قد يكون في الحقيقة شكلاً من أشكال الظلم المعرفي. فحين تُختزل جالية تضم آلافاً أو ملايين الأفراد في تصرفات فئة محدودة، فإننا لا نرتكب خطأً أخلاقياً فحسب، بل نقع أيضاً في خطأ منهجي يمسّ أسس التفكير الموضوعي ذاته.

ومن هنا تبرز مفارقة جديرة بالتأمل: كيف يمكن لمجتمع يؤمن بالفردانية القانونية، ويؤسس منظومته القضائية على المسؤولية الشخصية، أن يقبل في الوقت نفسه بإدانة جماعات كاملة بسبب أفعال أفراد منها؟ أليس في ذلك انتقال غير معلن من منطق القانون إلى منطق الانطباع؟ ومن معيار الإثبات إلى معيار الاشتباه الجمعي؟

إن الإنصاف يقتضي التمييز بين تصرفات فئة محدودة وبين الجاليات في عمومها، إذ إن الأغلبية الساحقة من المهاجرين لا تعيش علاقتها بالمجتمع المضيف بوصفها علاقة صراع، بل باعتبارها علاقة مشاركة واندماج وإسهام في التنمية الاقتصادية والثقافية والعلمية. ولذلك فإن تقييم الجاليات ينبغي أن يتم من خلال حصيلتها الاجتماعية العامة لا عبر الحالات الشاذة التي تستمد حضورها الإعلامي من استثنائيتها أكثر مما تستمده من حجمها الحقيقي.

غير أن الوجه الآخر للمسألة لا يقل أهمية؛ فالدفاع عن مبدأ عدم التعميم لا يعني تجاهل التجاوزات أو التقليل من خطورتها. فالدولة الحديثة لا تقوم على المجاملة، بل على سيادة القانون. وكل سلوك يهدد الأمن أو ينتهك القوانين أو يعتدي على الحقوق يجب أن يخضع للمساءلة الصارمة، لكن بصفته فعلاً فردياً محدداً لا باعتباره دليلاً على طبيعة جماعة بشرية بأكملها. وتكمن الحكمة في معالجة التجاوزات وفق القانون والمسؤولية الفردية لا عبر التعميم الذي يظلم الأبرياء ويُضعف موضوعية الحكم. وهنا تبرز قيمة المبدأ القرآني الخالد في العدالة: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ ليس فقط باعتباره قاعدة أخلاقية، بل بوصفه أيضاً قاعدة معرفية تمنع انتقال الذنب من الفاعل إلى غير الفاعل.

أمّا الاختلافات الثقافية والدينية المرتبطة باللباس أو الشعائر الدينية والتدينية أو أنماط العيش، فإنها تطرح بدورها سؤالاً أكثر عمقاً: هل معيار القبول الاجتماعي هو التشابه أم احترام القانون؟
فإذا أصبح مجرد الاختلاف سبباً للرفض، فإن المشكلة لن تكون في التنوع ذاته، بل في حدود قدرتنا على التعايش معه. فلا عدالة في التعميم الذي يظلم الأبرياء، كما ليست هناك موضوعية في وصم الجاليات بأكملها بجريرة فئة مارقة. كما أن الاختلاف الثقافي والديني في اللباس والشعائر ليس جريمة في حد ذاته، بل هو تنوع إنساني يُفترض أن يُدار بالاحترام المتبادل لا بالاشمئزاز، ما دام ملتزماً حدود القانون.

وفي المحصلة، لا يبدو التحدي الحقيقي كامناً في وجود الاختلاف أو حتى في وجود بعض الانحرافات الفردية، بل في امتلاك القدرة الفكرية والأخلاقية على مقاومة إغراء التعميم. فالمجتمعات العادلة لا تُقاس بقدرتها على معاقبة المخطئ فحسب، بل أيضاً بقدرتها على حماية البريء من أن يُدان بجريرة غيره. وبين هذين الحدين يتحدد الفرق الدقيق بين عدالة تحكمها الوقائع، وانطباعات تحكمها المخاوف.

*الدكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار؛ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، اشتغل في أبحاثه على قضايا الإدارة العموميّة والتنمية والسياسات العامة، وله مؤلفات رصينة من أبرزها: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000)، الفاعلون المحليّون والسياسات العمومية المحلية (2015)، الفاعلون في السياسات العمومية الترابية (2020)، والصوفيّة وأدوارها في الأمن المجتمعي (2025).

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...