الصحراء المغربية في قلب الاستراتيجية الأمريكية الجديدة :رسائل قوية من الكونغرس الأميركي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا

 

 

 

في الوقت الذي تحاول فيه بعض القوى الإقليمية إنعاش سرديات الانفصال وترويج الوهم على حساب استقرار المنطقة، تأتي تحركات الكونغرس الأمريكي لتوجه صفعة سياسية مزدوجة، لكل من جبهة البوليساريو الانفصالية والنظام الجزائري، عبر بوابة الاعتراف المتجدد بسيادة المغرب الكاملة على أقاليمه الجنوبية.

فخلال زيارة رسمية رفيعة إلى الرباط، أطلق أعضاء في الكونغرس الأميركي مواقف سياسية واضحة، لا تقبل التأويل، أعادوا من خلالها التأكيد على أن دعم واشنطن لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء هو التزام استراتيجي طويل الأمد، وليس مجرد قرار ظرفي.

هذا التأكيد الجديد لا يأتي في سياق بروتوكولي أو دبلوماسي روتيني، بل يحمل أبعادًا جيواستراتيجية واقتصادية واضحة، خاصة في ظل:

تنامي التوتر الإقليمي في منطقة الساحل،

وتحول الأقاليم الجنوبية للمغرب إلى نقطة ارتكاز للاستثمارات والطاقة المتجددة والربط القاري،

واستمرار تعنت الجزائر في منطق العداء والتصعيد.

فالاعتراف الأمريكي، الذي جدد الكونغرس التأكيد عليه، هو ترسيخ لواقع دبلوماسي وقانوني جديد، أسس له قرار إدارة ترامب في 2020، وتم تثبيته لاحقًا عبر خطوات متعددة من إدارة بايدن، أهمها:

افتتاح قنصلية أمريكية في الداخلة،

ودعم متصاعد لمخطط الحكم الذاتي في مجلس الأمن.

أحد أبرز مؤشرات التحول في الموقف الأمريكي، هو التركيز على البعد الاقتصادي في الصحراء المغربية. فقد شدد الوفد الأمريكي الزائر على أن دعمهم السيادي سيتبعه دعم استثماري فعلي، من خلال:

تشجيع الشركات الأمريكية على الاستثمار في قطاعات الطاقة، البنية التحتية، اللوجستيك والاتصالات،

إدماج الأقاليم الجنوبية ضمن اتفاق التبادل الحر المغربي-الأمريكي.

هذه الرسائل ليست مجرد إشارات ناعمة، بل توجيهات ملموسة لتحويل الصحراء المغربية إلى منصة تنموية مرتبطة بشراكات دولية، الأمر الذي يُسقط عمليًا رواية “النزاع المفتوح” التي لطالما روّجت لها الجزائر و جبهة البوليساريو الانفصالية.

ضمن الزيارة نفسها، تم بحث ملفات التعاون العسكري والأمني في منطقة الساحل وشمال إفريقيا، وهي ملفات بات فيها المغرب شريكًا مفضلاً للولايات المتحدة وعضوًا فاعلًا في استراتيجية الاستقرار الإقليمي.

فالتحديات المتفاقمة في المنطقة — من تمدد الجماعات المتطرفة الإرهابية، إلى التوغل الروسي عبر فاغنر، والفراغ الأمني في دول الساحل — جعلت من المغرب ركيزة أساسية في هندسة التحالفات الجديدة، وهو ما يفسر تركيز الوفد الأمريكي على التعاون الأمني في الأقاليم الجنوبية تحديدًا.

التطور النوعي في الموقف الأمريكي، لا يمكن عزله عن عزلة متزايدة تعيشها جبهة البوليساريو الانفصالية وداعمتها الجزائر، سواء على مستوى المؤسسات الأممية أو داخل دوائر القرار في واشنطن وبروكسل.

فمع تزايد الأصوات في الكونغرس الامريكي المطالبة بتصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية بسبب ارتباطها بحركات مسلحة مشبوهة في الساحل، ومع تقارير دولية تتحدث عن تدهور أوضاع حقوق الإنسان في مخيمات تندوف، يتضح أن الخطاب الانفصالي يترنح تحت ضغط الواقع، لا الدبلوماسية فقط.

التقدم المتزايد في ملف الصحراء المغربية، بدعم أمريكي وفرنسي وإسباني وبريطاني متصاعد، يعكس اتجاهًا واضحًا نحو فرض الحل السياسي الواقعي الوحيد: الحكم الذاتي تحت سيادة  المملكة المغربية.

إن ما حملته زيارة وفد الكونغرس الأمريكي إلى الرباط لم يكن مجرد دعم دبلوماسي تقليدي، بل هو ترسيخ لتحول استراتيجي دائم في تعامل واشنطن مع ملف الصحراء المغربية، يؤكد أن مشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد الممكن والعقلاني.

ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي على الجزائر و جبهة البوليساريو الانفصالية التقاطها اليوم، هي أن المناورة السياسية والابتزاز الإقليمي لم يعدا يفلحان في كسب التعاطف الدولي.
فالعالم تغيّر، وتحالفات القوة باتت تُبنى على الاستقرار والتنمية لا على الشعارات البالية.
والأقاليم الجنوبية المغربية، بما تحققه من إنجازات، باتت نموذجًا صاعدًا في إفريقيا، لا قضية عالقة في جدول الانتظار.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...