الخصوصيّة كمتاهة: في تشريح ازدواجيّة الخطاب حول النموذج المغربي للحكم الذاتي
* الدكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار
– أولًا: بين دعاوى الكونيّة ورهانات مبدأ مراعاة الخصوصيّة: سوسيولوجيا الالتباس في قراءة التجربة المغربيّه
ليست ازدواجيّة المعايير مجرد مكر وحيلة خطابيّة عابرة، بل هي نموذج إبستمولوجي يكشف عن الأزمات البنيويّة في الفكر السياسي المعاصر.
فحين يتحول “مبدأ مراعاة الخصوصيّة” إلى سلعة خطابيّة تُستدعى انتقائياً، وتُوظف ايديولوجياً، فإننا أمام ظاهرة تستحق التشريح لا الوصف، والتأويل لا التلخيص.
وهذا بالضبط ما يحدث للنموذج المغربي في الحكم الذاتي، الذي أصبح مرآة تعكس إشكالات العقل السياسي المغربي في تعامله مع مفارقة الخصوصيّة والكونية.
– ثانيًا: في أنطولوجيا الخصوصيّة: من الحق في الاختلاف إلى واجب التماثل
تتحول الخصوصيّة في الخطاب السياسي النخبوي السائد من حق وجودي إلى أداة تأديبيّة.
فحين تكون الخصوصيّة غربيّة، تتحول إلى معيار كوني، وحين تكون مغربيّة، تظل مجرد استثناء محلي.
هذه الإبستمولوجيا الانتقائيّة تمثل شكلاً من أشكال “العنف الرمزي” الذي تحدث عنه “بيير بورديو”، حيث يُفرض نظام تصنيفي معين باعتباره بديهياً، بينما هو في جوهره تعبير عن علاقات قوّة.
النموذج المغربي في الحكم الذاتي يمثل هنا “كائناً أنطولوجياً” جديداً، فهو ليس مجرد نموذج إداري، بل هو تشكل تاريخي مركب، يحمل في داخله ذاكرة الدولة المغربيّة المتجذرة، ووعيها الحديث بضرورة التكيف.
هذا النموذج الذي ينتمي إلى ما يمكن تسميته “الكونيّة المتجذرة”؛ ذلك المزيج بين الانفتاح على العالم والثبات على الهويّة.
– ثالثًا: سوسيولوجيا المقارنة المعكوسة: حين تصبح النماذج الغربية ديناً سياسياً
تكشف آلية المقارنة مع النماذج الأوروبيّة: (إسبانيا، إيطاليا، سويسرا) عن مفارقة عميقة: فبينما يُطالب المغرب بالتماثل مع نماذج لم تولد من فراغ، بل من سياقات تاريخية خاصة، يُنكر عليه في الوقت نفسه حق ولادة نموذجه الخاص به.
إنها “إبستمولوجيا القطيعة” التي تحدث عنها “عبد الله العروي”، حيث يتم فصل النموذج عن سياقه التاريخي، وتحويله إلى أيقونة مجردة.
فالحكم الذاتي المغربي لا يمثل فقط حلاً سياسياً، بل هو “استراتيجية وجوديّة” تعيد تعريف علاقة المركز بالهامش ضمن رؤية تكامليّة. إنه تجسيد لـ”العقلانيّة المتجذّرة” التي تجمع بين حساب الكفاءة وحساب الهوية.
– رابعًا: فينومينولوجيا الغيرة السياسيّة: اللاوعي الجمعي وإرادة التفرد
يمكن قراءة الانزياحات النقديّة تجاه النموذج المغربي للحكم الذاتي من خلال مفهوم “الغيرة الوجوديّة”؛ وهي ذلك الشعور العميق بالإحباط من نجاح نموذج لم يُمنح شرعيّة الوجود النظري.
هذه الغيرة ليست شخصيّة، بل هي بنيويّة، تعبر عن أزمة في التعامل مع “الاختلاف الناجح”.
النجاح التنموي والسياسي للمغرب في أقاليمه الجنوبيّة لم يعد مجرد حدث عابر، بل تحول إلى “حقيقة مزعجة” لكل الخطابات الجاهزة.
فهو يفضح هشاشة التصورات التي ترفض الاعتراف بأن الخصوصيّة يمكن أن تكون مصدر قوة لا ضعف.
خامسًا: إبستمولوجيا النموذج المغربي: من الاستعارة إلى الابتكار
يمثل النموذج المغربي نقلة نوعية من منطق الاستعارة إلى منطق الابتكار. فسياسات اللامركزيّة والجهوية المتقدمة الموسعة، لا تنقل نماذج جاهزة، بل “تستنبت” حلولاً محليّة وإقليميّة وجهوية ووطنيّة، من التربة التاريخيّة والمؤسساتيّة المغربية.
هذا الانتقال من “العقل المستعير” إلى “العقل المنتج” هو ما يشكل صدمة للخطاب النقدي التقليدي.
* الخلاصة:
ربما تكون المفارقة الأعمق في هذا المشهد أن النموذج المغربي لا يحتاج إلى دفاع بقدر ما يحتاج إلى فهم. فهم كظاهرة سياسيّة جد معقدة، وكدراسة حالة في كيفيّة تحويل الخصوصيّة من عبء إلى مورد.
في زمن تصادم الخصوصيّات، يقدم المغرب درساً في “فن الممكن التاريخي”: كيف يمكن للدولة أن تكون عصريّة دون أن تكون بالضرورة غربيّة، وأن تكون منفتحة دون أن تكون مستلبة.
السؤال الذي تتركه هذه القراءة ليس حول شرعيّة النموذج المغربي، بل حول شرعيّة الخطابات التي تحاكمه.
ففي النهاية، كل نموذج وطني حول الحكم الذّاتي أو غيره من النماذج؛ هو رسالة وجوديّة من شعب إلى التاريخ، والمغرب يكتب رسالته بلغة تخلق من خصائصها وخصوصيّاتها، عالمها الخاص بها وببيئتها.
* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





