حين تُقصى الكفاءات بصمت: سوسيولوجيا الإقصاء الرمزي بين اختلال الإدراك وهشاشة الضبط المؤسسي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار

 

 

– في مدح الرجال خارج منطق القطيع
ثمّة رِجَالٌ، داخل النسيج العميق للإدارة العموميّة المغربيّة، لا تُقاس قيمتهم بحجم حضورهم في المشهد، بل بصلابة أثرهم في الواقع.
رِجَالٌ، يشبهون في بنيتهم الأخلاقيّة أولئك الذين لا يتبعهم إلا القليل، لا لأنهم ضعفاء الحجة، بل لأنهم يشتغلون في اطار نُكران الذّات المؤسساتي، وخارج اقتصاد التواطؤ الرمزي.
رِجَالٌ، يلتزمون بالمعنى حين يتخلى عنه الآخرون، ويصمدون في مواقعهم دون أن يُتقنوا طقوس التماهي مع السلطة.
رِجَالٌ؛ ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
غير أن المفارقة القاسيّه تكمن في أن هذه القامات، التي تجمع بين الكفا والنزاهة والجِدّيّة والنجاعة في الأداء، لا تُكافأ بالضرورة داخل المنظومة، بل قد تُستهدف تحديدًا بسبب هذه الصفات.
وهنا لا يعود الإقصاء والتهميش والإبعاد من المشهد؛ مجرد خلل إداري، بل يتحول إلى ظاهرة مركبة تتقاطع فيها آليّات رمزيّة وإدراكيّة، تُعيد تعريف من يستحق البقاء ومن يجب إبعاده.
– أولاً: من التصفيّة الإداريّة إلى التصفيّة الإدراكيّة
لا يشتغل الإقصاء داخل الإدارة فقط عبر القرارات الرسميّة أو المساطر القانونيّة، بل يسبقه؛ وغالبًا ما يبرره؛ نمط خاص من الإدراك يمكن وصفه بـ”الاقتصاد الإدراكي المختل”.
في هذا السياق العام، يُختزل الفرد في توصيفات نمطيّة جاهزة: “حادّ الطبع”، “غير منسجم”، “صعب المراس”، “متقلب المزاج”، “متمرد الطبع”… وغيرها من العناوين التي تلصق بالضحايا، ووهي تسميات وأوصاف ونعوت، لا تُستمد من تحليل موضوعي للسلوك، بل تُسقط عليه كقوالب تفسيريّة سابقة مع سبق إصرار وترصد خبيث.
في هذا السياق يندرج اختزال الإنسان في صور نمطيّة جاهزة ضمن ما يمكن تسميته بـ“الاقتصاد الإدراكي المختل”، حيث تميل الجماعات إلى تقليص التعقيد الإنساني إلى عناوين لغوية مختصرة، تُتداول بوصفها حقائق مكتملة، لا بوصفها فرضيّات قابلة للفحص.
غير أن هذا الميل يثير إشكالًا معرفيًا أوليًا: هل يُمثّل هذا الاختزال ضرورة إدراكيّة لتبسيط العالم، أم أنه انحراف منهجي يُنتج واقعًا زائفًا يُلبس لبوس الحقيقة؟
تعمل هذه التصنيفات؛ من قبيل “متمرد” أو “حادّ الطباع”؛ كأطر مرجعيّة سابقة على التجربة، تُوجّه الإدراك بدل أن تُستمد منه. فهي لا تعكس الواقع بقدر ما تعيد تشكيله وفق بنية توقعية مُغلقة، حيث يُعاد تأويل السلوك في ضوء الحكم المسبق، لا العكس.
وهنا يبرز سؤال نقدي مركزي: متى يتحول الوصف من أداة تفسير إلى أداة إنتاج قسري للمعنى؟ وهل يمكن للغة أن تمارس سلطة خفية تُعيد تشكيل موضوعها بدل أن تكشفه؟
ضمن هذا السياق، تتداخل ثلاث آليات معرفية تُسهم في ترسيخ هذا البناء: الانحياز التأكيدي الذي ينتقي الأدلة الداعمة ويُقصي ما سواها، وتأثير الهالة العكسية الذي يسمح لجزء أن يُهيمن على الكل، ثم العدوى الاجتماعيّة التي تنقل الحكم من مستوى الفرد إلى مستوى الجماعة، مانحةً إياه شرعيّة تداوليّة تُغني عن البرهان.
لكن الإشكال الأعمق يكمن هنا: كيف تتحول القناعة الجماعية إلى بديل عن الحقيقة؟ وهل يكفي التكرار ليُنتج يقينًا، أم أن اليقين ذاته قد يكون نتاجًا لوهم مُعاد إنتاجه؟
لا تقف خطورة هذه العملية عند حدود الإدراك الخارجي، بل تمتد إلى البنية الذاتية للفرد، حيث قد يجد نفسه مدفوعًا؛ بوعي أو بدونه؛ إلى التماهي مع الصورة المفروضة عليه، فيما يُعرف بالنبوءة المحققة لذاتها.
عند هذه النقطة، يتعقد السؤال: هل الفرد ضحية لتصورات الآخرين، أم شريك؛ ولو ضمنيًا؛ في إعادة إنتاجها؟ وأيّهما يسبق الآخر: الصورة أم السلوك؟
ورغم أن بعض هذه الأحكام قد لا يصدر عن قصدية عدائية صريحة، بل عن كسل معرفي أو نزوع إلى التبسيط أو حتى خشية من المختلف، فإن أثرها يظل مُشوّهًا لبنية الفهم.
وهنا يفرض سؤال نفسه بإلحاح: هل يُعفي غياب القصد من مساءلة الأثر؟ أم أن المعرفة، بحكم اتصالها بالإنصاف، تظل مسؤولية أخلاقية لا تسقط بحسن النية؟
في المقابل، يبدو تفكيك هذه البنية رهين مستويين متكاملين: مستوى ذاتي يقوم على مقاومة الاختزال عبر تراكم سلوكي متزن يُربك التوقعات المسبقة، ومستوى تواصلي يعيد توجيه الخطاب من منطق الأحكام إلى منطق الأسئلة.
غير أن هذا الطرح يفتح بدوره إشكالًا: هل تكفي الممارسة الفردية لإحداث خلخلة في بنية جماعية تميل إلى الاستقرار على القوالب الجاهزة؟ أم أن الأمر يتطلب إعادة تأسيس أعمق لمعايير التحقق داخل الجماعة؟
وعلى مستوى أكثر تركيبًا، تتقاطع هذه الظاهرة مع أفق قيمي يربط المعرفة بالمسؤولية، حيث يُنهى عن اتباع ما لا يقوم على علم محقق، في تأكيد ضمني على أن أدوات الإدراك ليست حيادية، بل محمولة على تبعات أخلاقية.
وهنا ينبثق سؤال فلسفي: هل يمكن تصور معرفة منزّهة عن القيم، أم أن كل إدراك غير منضبط بمعايير التثبت ينزلق بالضرورة نحو شكل من أشكال الظلم الرمزي؟
وفي البيئات التي تضعف فيها آليات التحقق، تتخذ هذه التصنيفات طابعًا أكثر رسوخًا، إذ تتحول الادعاءات إلى سرديّات معلّقة لا تخضع للمراجعة، وتُعامل كحقائق نهائية رغم هشاشتها المنهجية. عندئذ، لا يعود الإشكال في الخطأ ذاته، بل في غياب البنية التي تسمح بتصحيحه.
فهل يمكن لمجتمع أن يُنتج معرفة عادلة في ظل تعطّل أدوات المساءلة؟ ومتى يتحول غياب النقد إلى شرط لإنتاج “حقيقة” زائفة؟
في هذا الأفق، تتأجل التبرئة لا لغياب الحقيقة، بل لانسداد سبل الوصول إليها داخل النسق الاجتماعي، فيُحال الإنصاف إلى مستوى يتجاوز اللحظة الإنسانية المحدودة نحو أفق أوسع للعدالة المطلقة.
غير أن هذا الإحالة تطرح سؤالًا مقلقًا: هل ينبغي أن تُؤجَّل العدالة حتى تُستعاد، أم أن تأجيلها بحد ذاته شكل من أشكال تكريس الظلم؟
إن الخلاصة التي يفضي إليها هذا التحليل لا تتعلق بمجرد سلوك لغوي عابر، بل ببنية إدراكيّة جمعية تميل إلى تحويل اللغة من وسيلة للفهم إلى أداة للهيمنة الرمزية. ومن هنا، يبقى السؤال المفتوح الذي يتجاوز النص إلى القارئ ذاته: إذا كانت الكلمات قادرة على إعادة تشكيل الواقع، فإلى أي حدّ يمكن للعقل غير المُساءَل أن يتحول من أداة إدراك إلى سلطة خفية تُنتج ما تعتقد أنه حقيقة؟
هذه التصنيفات لا تعمل كوصف محايد، بل كآلية إنتاج للواقع. فهي توجه الانتباه نحو ما يؤكدها، وتُقصي ما يناقضها، فتتحول مع الوقت إلى “حقيقة تداوليّة” لا تحتاج إلى دليل. وهنا يتقدم الحكم على التجربة، ويُعاد تشكيل الوقائع في ضوء صورة مسبقة مغلقة.
بهذا المعنى، يصبح الإقصاء والتهميش والإبعاد من المشهد، نتيجة منطقيّة داخل نسق إدراكي منحرف: لا لأن المعني بالأمر قد أخفق أو تقاعس أو لم يوفق في أداء مهامه، بل لأنه لم ينسجم مع التصنيف الذي أُلصق به.
وهنا نكون أمام انتقال خطير: من محاسبة الكفاءة والأداء في الفعل الإداري، إلى محاسبة الصورة النمطيّة المُلفّقة.
– ثانياً: غياب البروتوكول كمولّد للمعايير الموازية
حين يغيب الإطار البروتوكولي الواضح؛ أي مجموع القواعد التنظيميّة الصريحة التي تنظم العلاقة بين المستويات الإداريّة؛ ينشأ نوع من التمدد في الفراغ حيث لا يبقى محايدًا.
هذا التمدد في الفراغ يُملأ تدريجيًا بمعايير عرفيّة غير مكتوبة: القرب من شبكات دوائر القرار، والقدرة على التموقع داخل المشهد، وإتقان لغة التملق والولاء الرمزي للأشخاص، لا للثالوث المقدّس: الله – الوطن – الملك.
في ظل هذا السياق، تتحول التعليمات الشفويّة من استثناء إلى قاعدة، وتُصبح الإشارة العابرة أكثر تأثيرًا من الوثيقة الرسميّة.
وهنا يختل ميزان الشرعيّة: فبدل أن تُستمد من القانون، تُستمد من مدى القدرة على التأويل والتموقع داخل شبكات خفيّة وغير مرئيّة.
– ثالثاً: حين يُعاقب من لا يُجيد التمثيل
في إحدى وحدات الإدارة العموميّة، يبرز نموذج لمسؤول راكم رصيدًا من الثقة الاجتماعيّة والنجاعة التدبيرية.
اشتغل على فض النزاعات، وإيجاد الحلول المناسبة للقضايا والمشاكل المطروحة، وقرب الإدارة من المواطنات والمواطنين، واشتُهر بنزاهته وبعده عن شبكات الوساطة غير الرسميّة.
غير أن هذا الرصيد لم يتحول إلى حماية، بل إلى عبء. إذ وُضع فجأة تحت مجهر عين السُّخط التي تبدي المساوىء غير معلنة الخلفيّات، الكليلة عن رؤية العيب في مواطن أخرى؛ تتحرك عدساتها بناءً على تعليمات شفويّة.
لم تُسجل عليه مخالفات قانونيّة، أو خطأ جسيماً او تقاعس في أداء واجباته؛ لكن صيغت حوله لغة تقييم غامضة: “ضعف الإنسجام”، “غياب روح المبادرة في التعبير عن الولاء للرئيس”.
هنا يظهر بوضوح أن ما يُعاقب ليس الفعل، بل “غياب الأداء والولاء الرمزي” المطلوب. فالمسؤول لم يُقصَ لأنه أخطأ، بل لأنه لم يُجسد الدور المتوقع داخل مسرح السلطة.
– رابعاً: أنثروبولوجيا الطاعة: طقوس الانتماء وآليات النفي
لفهم هذه الديناميّة، لا بد من الانتقال إلى مستوى أعمق، حيث تُقرأ العقليّات الإداريّة كفضاء رمزي تحكمه طقوس غير معلنة:
* أولًا، طقوس التثبيت: حيث يُطلب من الفاعل الإداري أن يُظهر، بشكل دوري، انتماءه عبر ممارسات أدائيّة؛ حضور، وتفاعل، واصطفاف رمزي. والصمت هنا لا يُقرأ حيادًا، بل تمردًا.

* ثانيًا، اللغة الإقصائية: تُستعمل عبارات فضفاضة تؤدي وظيفة مزدوجة—إخفاء السبب الحقيقي، وتمرير قرار التهميش والإبعاد دون مساءلة. إنها لغة لا تُدان قانونيًا، لكنها فعّالة إداريًا.

* ثالثًا، النفي كرسالة: حين يُنقل مسؤول ناجح إلى موقع هامشي، فإن الرسالة لا تخصه وحده، بل تُوجّه إلى الجماعة: “فالنجاعة والكفاءة والنزاهة والجديّة والأداء والأخلاق والإخلاص في في الفعل الإداري؛ كلها لا تكفي، والامتثال والولاء للأشخاص شرط”.
– خامساً: حين تتحول الكفاءة إلى تهديد رمزي
المفارقة الأكثر عمقًا هي أن الكفاءة في الفعل والعمل الإداري ذاتها قد تُصبح مصدر تهديد. فالمسؤول الذي ينجح خارج شبكات الولاء المتعدد للأشخاص يكشف، بشكل غير مباشر، أن المنظومة يمكن أن تعمل دون وساطات.
وهذا الكشف يُحرج البنية غير الرسميّة التي تستمد مشروعيتها من تلك الوساطات. لذلك، يُعاد تأويل نجاحه: لا كإنجاز، بل كخروج عن النسق. وتُقرأ علاقته الجيدة بالمواطنين والمواطنات كـ”بناء نفوذ موازٍ”.
وهنا تتحول القيمة إلى تهمة، ويُعاد ترميز الإيجابي كسلبي داخل منطق مغلق.
– سادساً: نحو إعادة تأسيس المعنى: من الإصلاح الإجرائي إلى الإصلاح الإدراكي
لا يمكن معالجة هذه الظاهرة عبر إصلاحات تقنيّة فقط، لأن جذورها أعمق من المساطر. المطلوب هو إعادة بناء مزدوجة:
1. على المستوى المؤسسي: عبر تقنين المجال غير الرسمي، وتقييد سلطة التعليمات الشفويّة، وإرساء معايير شفافة للتقييم.

2. على المستوى الإدراكي: عبر تفكيك التصنيفات والأنماط الجاهزة، وتعويض منطق الأحكام المسبقة والملفقة، بمنطق الفحص، وترسيخ ثقافة تشكك في يقينها بدل أن تطمئن إليه.
كما يبرز هنا دور حاسم لذاكرة مؤسسية ناقدة: توثّق حالات الإقصاء والتهميش والإبعاد التعسفي، وتعيد قراءتها، لا بهدف الإدانة فقط، بل لتصحيح المسلسل والمسار.
فالمؤسسة التي لا تتذكر أخطاءها، وليس لها ذاكرة إداريّة، قد تُعيد تدويرها وإنتاجها بصيغ أكثر تعقيدًا.
* خلاصة: حين يتحول الإدراك إلى سلطة
في نهاية المطاف، لا يكمن الخطر فقط في قرارات الإبعاد والتهميش والإقصاء من المشهد، بل في البنية التي تجعل هذه القرارات ممكنة ومقبولة.
بنية يتحول فيها الإدراك إلى سلطة، واللغة إلى أداة تصنيف، والتكرار إلى بديل عن الحقيقة.
عند هذه النقطة، لا يعود السؤال: لماذا أُقصي وهمس وأبعد هذا المسئول؟ بل: كيف أصبح إقصاؤه وتهميشه وإبعاده من المشهد، معقولًا داخل هذا النسق الإداري؟
إن إدارة لا تحمي كفاءاتها النزيهة، ولا تُراجع أدوات إدراكها، هي إدارة تُنتج، بصمت، شروط هشاشتها. لأن العدالة لا تُختزل في تطبيق القانون، بل تبدأ من كيفيّة رؤية الإنسان قبل الحكم عليه.
وإذا كانت الكلمات قادرة على إعادة تشكيل الواقع، فإن تركها دون مساءلة يُحوّلها إلى أداة هيمنة ناعمة، تُقصي وتهمش وتبعد من المشهد، دون أن تُدين، وتُدين دون أن تُبرهن. وعندها، لا يكون الإقصاء والتهميش والإبعاد حادثة، بل بنية.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف

 

شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...