تاريخ بلا صوت: الحَرَاطِين وإنتاج الهامش في الذاكرة المغربيّة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

* الدّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار

 

 

* بين سلطة التذكير وسلطة النسيان..
ليس التاريخ وعاءً محايدًا للوقائع والأحداث، بل هو حقل قوّة يُعيد ترتيب الأولويات الوجوديَّة للأفراد والجماعات؛ ويمنح بعضَها كثافة الحضور، ويدفع ببعضها الآخر إلى متاهات النسيان.
بين هاتين السلطتين تتشكّل هويّة الأمم، لا بما يُروى فحسب، بل بما يُسكت عنه ويُشاح النظر ويغض الطرف عنه أيضًا؛ عبر عمليات الحجب والتمرير والزيادة والنقصان والتدليس والتزوير والكذب.
في المغرب، حيث تتقاطع الانتماءات العربية والأمازيغيّة والإفريقيّة والأندلسية واليهودية والحسانية، تبرز فئة الحَرَاطِين بوصفها حالةً كاشفة لبنية الهامش والغياب الرمزي.
كيف تُمنح جماعةٌ شرعيةَ الظهور في المشهد التاريخي فيما تُحجب أخرى في الظلال؟ وكيف يُبنى تاريخٌ جماعيٌّ يتجاهل أصواتًا صاغت بنية المجتمع ذاته؟
– أولًا: الوجود المزدوج كضرورة اقتصاديّة وتهميش رمزي
الحَرَاطِين هم فئة اجتماعيّة تشكّلت تاريخيًا في واحات الجنوب المغربي وامتداداته (تافيلالت، درعة، زيز، الرشيدية، زاكورة، طاطا، ورزازات، تارودانت)، وهم في الغالب من أصول إفريقية جنوب-صحراوية، ارتبط وجودهم بنظام الواحة اقتصاديًا وببنى التراتبية الاجتماعية رمزيًا.
ورغم تحوّل وضعهم القانوني بعد إلغاء العبودية، ظلّ موقعهم في الهامش الرمزي محكومًا بإرث تصنيفي ممتد.
شكّل الحَرَاطِين قوة العمل الأساسيّة في الاقتصاد الزراعي الواحي، ومع ذلك لم تُمنح لهم مكانة إنسانية متكافئة، ولم تُعترف رواياتهم اليومية بوصفها جزءًا من المعرفة المقبولة. تداخلت عوامل اللون والنسب والمكانة والوظيفة الاقتصادية والخدماتية لإعادة إنتاج موقعهم الهامشي حتى بعد زوال الإطار القانوني للعبودية.
المفارقة المركزية أن الجماعة التي أنتجت القيمة الاقتصادية حُرمت في الوقت نفسه من إنتاج القيمة الرمزية داخل السردية التاريخية. إن صمت الأرشيف عنهم ليس فجوة وثائقية فحسب، بل أثر لبنية معرفية تستبعد أصواتًا بعينها من مشروعية الظهور.
– ثانيًا: كيمياء الصمت بين الشفهي والمكتوب
ظلّت الذاكرة الجماعيّة للحراطين حاملةً لروايات التبعية والمقاومة اليومية وإعادة تشكيل العلاقات عبر المصاهرة. غير أن هذه الذاكرة أُقصيت لصالح أرشيف مكتوب صيغ ضمن توازنات قوة محددة، مما جعلها خارج شرعية المعرفة السائدة.
تتجلى إحدى آليات هذا الإقصاء في اللغة، حيث تتحول بعض المفردات المتداولة ذات الأصول الوصفية أو الجغرافية أو المهنية إلى أدوات للتمييز الرمزي حين تُستخدم في سياقات تراتبية. ومن أمثلتها: «العنطيز»، «الضراوي»، «أورتموت»، «الكحلوش»، «الوصيف»، «أسوقي»، إضافة إلى ألفاظ الإقصاء المجالي مثل «البراني» و«الدخيل»، أو بعض الاستعمالات التنقيصية لوصفي «الشلح» و«العروبي».
المشكلة لا تكمن في المفردة ذاتها، بل في سياقها التداولي ووظيفتها الاجتماعية. فالكلمة تتحول من وصف إلى وصم حين تُستعمل لخفض المكانة أو نزع الشرعية عن الانتماء أو إعادة إنتاج التراتب الاجتماعي. وهكذا لا تعكس اللغة التراتبية فقط، بل تساهم في إعادة إنتاجها.
تفكيك هذه البنية الدلالية شرط لبناء معرفة عادلة، لكنه يظل غير كافٍ ما لم يُرفق بتغيير الشروط الاجتماعية التي تمنح هذه المفردات فعاليتها الإقصائية.
– ثالثًا: بنية التراتبية واستمرار الرأسمال الرمزي
حتى بعد زوال الإطار القانوني للعبودية وترسيخ المساواة الدستورية، ظلّ موقع الحراطين في الهامش يتغذّى من آليات الرأسمال الرمزي: أنماط المصاهرة، توزيع الأرض، التمثيل المحلي، وشروط إنتاج النخب.
إنها بنية رمزية خفية لا تظهر إلا في اللحظات الحاسمة: من يتكلم باسم الجماعة، من يُمنح الشرعية، ومن يُختزل في وظيفة اجتماعية محددة. وتظل المساواة القانونية غير كافية ما لم تُفكك هذه البنى العميقة التي تعيد إنتاج التراتب في صيغ غير مرئية.
– رابعًا: سوسيولوجيا الفرق: المغرب وموريتانيا بين مسارين
تكشف المقارنة مع الحالة الموريتانية اختلافًا في تمظهر الظاهرة. ففي موريتانيا استمر الإطار القانوني للعبودية حتى عقود قريبة، ما جعل الملف حقوقيًا مباشرًا. أما في المغرب، فقد انتقل الإشكال إلى مستوى التمثلات الاجتماعية والاعتراف الرمزي.
غير أن هذا التحول لا يعني تجاوز المشكلة، بل إعادة إنتاجها في مستوى أقل قابلية للرصد القانوني، وأكثر رسوخًا داخل البنية الاجتماعية اليومية.
– خامسًا: إعادة الكتابة: نقد شروط إنتاج المعرفة
لا تعني إعادة كتابة تاريخ الحراطين إضافة فصول جديدة إلى سردية قائمة، بل مساءلة الشروط التي جعلت هذا الغياب ممكنًا أصلًا. فالمسألة ليست ماضوية فحسب، بل راهنة: كيف يمكن بناء سياسات عمومية عادلة في ظل استمرار إرث رمزي يعيد توزيع الاعتراف بشكل غير متكافئ؟
ويتعلق السؤال الأعمق بدور اللغة في إنتاج التراتب: هل تعكسه أم تصنعه؟ إن حذف المفردات القدحية، رغم ضرورته الأخلاقية، لا يكفي ما لم يُفكك السياق الاجتماعي الذي يمنحها فعاليتها. فالقاموس لا يتغير بمرسوم، بل بتحول شروط الوجود الاجتماعي نفسها.
* خلاصة: العدالة المعرفية ومسؤولية الكتابة التاريخية
إن صمت الأرشيف حول الحراطين ليس فراغًا وثائقيًا، بل أثر لبنية معرفية ممتدة. واستعادة هذا الصوت تعني إعادة توزيع الضوء على مسرح التاريخ، ومساءلة شروط إنتاج هذا الصمت نفسه.
فإذا كان التغييب قد تم عبر آليات اجتماعية ورمزية عميقة، فهل تكفي إعادة الكتابة لإنصاف الذاكرة؟ أم أن العدالة التاريخية تقتضي إعادة بناء شروط إنتاج المعرفة بحيث لا يُنتج أي خطاب تاريخي هامشًا جديدًا وهو يدّعي الشمول؟
يبقى السؤال مفتوحًا: أي تاريخ نكتب حين نكتب؟ وأي إنسان نعترف به حين نؤرّخ في ظل التدليس والحجب والتمرير والزيادة والنقصان بالتصرف في الأحداث والوقائع؟

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف

 

شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...