في استعارة الشبح وإدارة وتدبير الغياب: تفكيك بنية الرصد بين التقنيّة والمؤسسة
* الدّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار
– أوّلاً: من فيزياء التخفي إلى أنطولوجيا الأثر: تحوّل معيار الظهور
كيف يغدو مفهوم تقني محكوم بمنطق القياس مدخلًا لإعادة تعريف الحضور داخل الحقل الإداري؟
إن توصيف “الشبح” في سياقه الأصلي، كما تؤطره تقنية التخفي الراداري، لا يحيل إلى اختفاء الكينونة، بل إلى إعادة توزيع شروط ظهورها ضمن نظام رصدي محدد. ما يتوارى ليس الشيء، بل قابليته لأن يُلتقط عبر وسيط تقني بعينه.
بذلك، يصبح الوجود علاقة وظيفية بين موضوع وأداة إدراك، لا خاصية مطلقة تُنسب إلى الشيء في ذاته.
غير أن انتقال هذا المفهوم إلى المجال الإداري لا يتم بوصفه نقلًا محايدًا، بل بوصفه انزياحًا دلاليًا يعيد تشكيل مركز الثقل من “قابلية الرصد” إلى “قابلية الأثر”.
فالموظف الذي يُنعت بـ“الشبح” لا يُقاس بمدى حضوره الفيزيائي، بل بمدى إنتاجه لأثر قابل للتتبع داخل المنظومة. هنا، يتحول الحضور من واقعة حسية إلى بنية إثباتية: ما لا يُوثّق، كأنه لم يكن؛ وما لا يُقاس، يُقصى إلى هامش الوجود المؤسسي.
ألا يكشف هذا التحول عن إعادة صياغة عميقة لمفهوم العمل ذاته، حيث لم يعد الحضور مرادفًا للتواجد، بل أصبح مرهونًا باندراجه داخل اقتصاد رمزي للأثر؟ وإذا كان “الشبح” التقني ينجح بقدر ما يفشل الرادار في التقاطه، فهل “الشبح” الإداري يُدان بقدر ما تفشل المؤسسة في إنتاج أدوات لقياس حضوره الفعلي؟ أم أن الفشل في الرصد يتحول، خفية، إلى أداة لإعادة توزيع المسؤولية؟
– ثانيًا: دوائر الرؤية: هندسة الظهور والتواري داخل البنية الإدارية
لا تُدار المؤسسات فقط عبر القواعد الصريحة، بل عبر هندسة خفية للظهور، تتوزع فيها المواقع بين مركز مرئي وهوامش متفاوتة الكثافة.
ضمن هذا التصور، يمكن قراءة الفضاء الإداري كمنظومة دوائر متراكبة: من دائرة مركزية مشبعة بالثقة والامتياز، إلى هوامش بعيدة حيث يتلاشى الأثر ويبهت الحضور، وصولًا إلى تخوم تتشكل فيها “الشبحية” بوصفها حالة حدّية بين الاعتراف والإقصاء.
في هذا التوزيع، لا يكون الغياب دائمًا نتيجة انسحاب فردي، بل قد يكون نتاجًا لإعادة تموضع داخل شبكة الرؤية المؤسسية. من يُرى ومن لا يُرى؟ من يُستدعى أثره ومن يُهمّش؟ هنا، لا يعود السؤال عن “الموظف الشبح” سؤالًا عن فرد، بل عن نظام رؤية ينتج مرئيته الخاصة ويقصي ما لا ينسجم معها.
وحين تُضاف إلى هذه الهندسة ظاهرة “الربط الظرفي بالأحداث”، يتعقد المشهد أكثر. إذ يكفي اقتران زمني بين فاعل وواقعة؛ احتجاج، حادث، أو حتى إشاعة؛ حتى يُعاد تعريف موقعه داخل هذه الدوائر. لا تُفحص السببية بقدر ما يُستثمر التزامن. وكأن الظرف يتحول، في لحظة توتر، إلى قرينة مكتفية بذاتها.
فهل يكفي أن يكون الفاعل حاضرًا في الزمن الخطأ ليُعاد تصنيفه في الهامش؟ وأين ينتهي التقدير الإداري ويبدأ الانزلاق نحو تأويل يختزل التعقيد في علاقة زمنية عابرة؟ أليست هذه الآلية، في جوهرها، شكلًا من أشكال الاقتصاد الرمزي للأزمة، حيث تُنتج “أضحية إدارية” لامتصاص ضغط لا يمكن احتواؤه بوسائل أخرى؟
– ثالثا: السلطة الشبحيّة: حين يمارس القرار أثره دون أن يترك أثرًا
إذا كان “الموظف الشبح” يحيل، في ظاهره، إلى غياب الأثر الفردي، فإن ما يستدعي مساءلة أعمق هو نمط من السلطة يمكن وصفه بـ“الشبحية”، يمارس تأثيره دون أن يترك أثرًا توثيقيًا.
هذ، ويتجلى ذلك في هيمنة التعليمات الشفوية، حيث تتحول قنوات غير رسمية؛ الهاتف، الإشارة، التلميح؛ إلى أدوات حسم إداري تتجاوز منطق الوثيقة.
في هذا السياق، ينفصل القرار عن أثره المكتوب، وتتفكك العلاقة بين الفعل والمسؤولية. يُنفذ الأمر، لكن مصدره يتوارى؛ تُتخذ الإجراءات، لكن سندها يظل معلقًا. وعند أول مساءلة، يتبخر الأصل، ويبقى المنفذ في مواجهة نظام لا يعترف إلا بما هو موثق.
ألا يُنتج هذا النمط من الممارسة “منطقة عمياء” داخل المؤسسة، حيث تُمارس السلطة خارج آليات المساءلة؟ وكيف يمكن الحديث عن انضباط إداري في غياب أثر يُثبت القرار ويُحدّد مصدره؟ بل، إلى أي حد يمكن اعتبار هذه “الشبحية السلطوية” شرطًا ضمنيًا لاستمرار بعض التوازنات غير المعلنة داخل الجهاز الإداري؟
– رابعاً: بين الاختيار والإكراه: تفكيك مسؤولية الغياب
يُغري وصف “الشبح” بإسناد الغياب إلى إرادة فردية، كما لو أن الفاعل اختار التخفي داخل فضاء العمل. غير أن هذا الإسناد، على بساطته الظاهرية، يخفي تعددية في أنماط الغياب لا يمكن اختزالها في قرار فردي.
ثمة غياب اختياري، يتمثل في الانقطاع غير المبرر أو التلاعب بأنظمة الحضور، حيث تتدخل آليات الضبط التي يقرها قانون الشغل لإعادة إدماج الفاعل أو معاقبته. غير أن هذا النمط لا يستنفد الظاهرة.
فهناك غياب يُنتج داخل المؤسسة نفسها: تعيينات صورية، تراخٍ في المراقبة، أو ثقافة تنظيمية تتسامح مع الفراغ الوظيفي. في هذه الحالة، لا يكون الفرد “شبحًا” بقدر ما يكون تجليًا لخلل بنيوي.
كما تبرز منطقة ثالثة، أكثر التباسًا، حيث تُساء قراءة وضعيات قانونية مشروعة؛ إلحاق، مهام خارجية، عمل عن بعد؛ فتُؤوّل بوصفها غيابًا. هنا، لا يكشف المجاز الواقع، بل يشوش عليه، ويحوّل الاختلاف إلى انحراف.
فأين تُرسم الحدود بين التقصير الفردي والتواطؤ المؤسسي؟ ومتى يتحول الوصف إلى حكم مسبق يسبق التحقيق؟ أليس في إلقاء عبء “الشبحية” على الفرد وحده نوع من الإعفاء الضمني للبنية التي سمحت بظهورها؟
– خامساً: لحظة التسمية: من الشبح إلى المتهم
تظل “الشبحية” حالة معلّقة ما دامت خارج التوصيف القانوني الصريح. إنها زمن رمادي يتأرجح فيه الفاعل بين الحضور والغياب، دون أن يُحسم موقعه. غير أن هذه الحالة لا تدوم؛ فبمجرد تفعيل مسطرة الاستفسار، يتبخر الوصف المجازي، ويحل محله توصيف قانوني محدد: غياب مبرر أو غير مبرر، مع ما يترتب على ذلك من آثار.
تكشف هذه اللحظة عن مفارقة لافتة: المؤسسة التي سمحت باستمرار المنطقة الرمادية، عبر تأجيل التفعيل الإجرائي، هي نفسها التي تحسم فجأة في الوضع، مُحوّلة “الشبح” إلى موضوع مساءلة. كأن الشبحية ليست سوى طور انتقالي بين صمت إداري وقرار صريح.
فهل يُنتج التأخير في التفعيل القانوني “شبحية” كان يمكن تفاديها؟ وإلى أي حد تتحمل المؤسسة مسؤولية هذا الفراغ الزمني الذي يُبقي الفاعل خارج كل توصيف دقيق؟
– سادساً: ما بعد المجاز: إعادة بناء معنى الحضور
قد يبدو السؤال عن استقامة استعارة “الموظف الشبح” سؤالًا لغويًا، لكنه يخفي رهانًا أعمق يتعلق بكيفية تعريف الحضور داخل المؤسسة. فالاستعارة، رغم قوتها التداولية، تظل اختزالًا قد يحجب تعقيد الواقع.
في زمن تتزايد فيه أنماط العمل المرنة، وتُعاد فيه صياغة العلاقة بين المكان والوظيفة، لم يعد الحضور الفيزيائي معيارًا كافيًا، ولا الغياب الجسدي دليلًا حاسمًا. يتقدم مفهوم “الأثر” بوصفه معيارًا بديلًا، لكن هذا التقدم يحمل في طياته خطر اختزال العمل في مؤشرات كمية، قد تعيد إنتاج “أشباح” من نوع جديد: حضور موثق بلا قيمة، وغياب ظاهري يوازي إنتاجًا فعليًا.
فهل يمكن لنظام إداري أن يوازن بين متطلبات القياس وثراء الفعل الإنساني؟ وهل يكفي تطوير أدوات الرصد للقضاء على “الشبحية”، أم أن هذه الأخيرة ستظل أثرًا جانبيًا لكل محاولة لتنظيم ما هو، في جوهره، متغير ومتعدد الأبعاد؟
* خاتمة: في مساءلة رصد الرادار قبل تعقب الأشباح
إن “الموظف الشبح”، بوصفه استعارة، لا يكشف فقط عن خلل في سلوك فردي، بل عن حدود نظام الرصد الذي ينتجه أو يسمح به. لذلك، فإن التركيز على تعقب “الأشباح” قد يحجب السؤال الأهم: أي “رادار” إداري نملك، وأي مناطق عمياء يتركها؟
بين تخفٍ تقني يُقاس بقدرة على الإفلات من الرصد، وغياب إداري يُقاس بعجز عن إنتاج الأثر، تتكشف مسافة مفهومية لا يردمها إلا تفكير نقدي يعيد ترتيب العلاقة بين الحضور والاعتراف، بين الفعل وتوثيقه، وبين السلطة ومسؤوليتها.
يبقى السؤال مفتوحًا، لا بوصفه خاتمة بل كبداية: هل يمكن بناء إدارة لا تنتج أشباحها، أم أن كل نظام، مهما بلغ من إحكام، سيظل يحمل في داخله إمكانية هذا الظل.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





