اللغة بوصفها بنية استقطاب: من التوصيف إلى إنتاج التوتر الرمزي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار

 

 

ينبغي أولًا تفكيك الافتراض الضمني الذي يجعل من اللغة مجرد أداة وصف، بينما هي في الواقع آلية إنتاج للمعنى وإعادة توزيع للعداء الرمزي داخل الحقل الاجتماعي.
من هنا، فإن مفردات من قبيل “متصهين” لا تشتغل بوصفها توصيفًا محايدًا، بل كعقدة دلاليّة مشحونة تُعيد استدعاء طبقات متراكبة من الذاكرة التاريخيّة، حيث يتداخل السياسي بالأنثروبولوجي، ويُعاد تشكيل الخصومة بوصفها قدرًا سرديًا ممتدًا لا مجرد موقف عابر.
فهل نحن أمام كلمة تُسمّي الواقع، أم أمام جهاز لغوي يُعيد إنتاجه على صورة أكثر حدّة واختزالًا؟
في هذا المستوى الأول من القراءة، يتبدّى أن اللغة لا تُنزل المفاهيم على الواقع بقدر ما تعيد هندسته إدراكيًا. فكل توصيف مشحون لا يكتفي بالإشارة، بل يفعّل شبكة من الاستجابات الانفعاليّة العميقة التي تتجاوز العقلنة المباشرة نحو مناطق أقدم في البنية النفس؛ تاريخيّة للإنسان.
هنا تحديدًا يتقاطع السوسيولوجي مع الأنتروبولوجي: كيف تتحول الكلمات إلى محفزات لاستدعاء سرديات أصليّة للصراع، حيث يُعاد إسقاط ثنائيّة الخير والشر في قوالب سياسيّة راهنة؟
غير أن الإشكال الأكثر حدّة لا يكمن في الكلمة ذاتها، بل في مدى شرعيّة استخدامها داخل المجال العام: من يمنح اللغة حق التحول من أداة تحليل إلى أداة إدانة؟ وأي أثر معرفي يبقى ممكنًا حين تُستبدل المفاهيم الإجرائيّة بشحنات معياريّة جاهزة؟
إننا أمام لحظة انزياح دقيقة، تتحول فيها المفردات من كونها وسائط للفهم إلى كونها حدودًا مغلقة للمعنى، تُقصي إمكان التأويل بدل أن تفتحه.
في هذا السياق، يصبح الاشتغال على اللغة شكلاً من إعادة ضبط العلاقة بين الوعي والتاريخ. فالمسألة ليست في تطهير المعجم والقاموس اللغوي المتداول من حمولاته، بل في مساءلة شروط إنتاج تلك الحمولة ذاتها:
كيف تتشكل الدلالات في تقاطع الذاكرة الجمعيّة مع التوترات السياسيّة الراهنة؟ وهل يمكن فصل الكلمة عن بنيتها الصراعيّة دون أن نفقد قدرتها على التعبير عن الواقع أصلًا؟
من هنا يتضح أن أي مقاربة تتعامل مع هذه الألفاظ بوصفها مجرد انزلاقات لغوية تُفوّت جوهر المشكلة.
فالمسألة أعمق: إنها تتعلق بآليات إعادة إنتاج الاستقطاب عبر اللغة نفسها، حيث تتحول الكلمة إلى موقع صراع مكثف، وإلى نقطة تقاطع بين التاريخ والراهن، بين الرمز والممارسة، بين الذاكرة والانفعال.
وعليه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في الأفق الاستشرافي ليس ما إذا كان ينبغي استخدام هذه المفردات أو تجنبها فحسب؛ بل كيف يمكن بناء خطاب يحافظ على كثافة المعنى دون أن ينزلق إلى إعادة إنتاج العنف الرمزي الذي يسعى إلى وصفه.
هل يمكن للغة سياسيّة أن تظل دقيقة دون أن تتحول إلى أداة استقطاب؟ أم أن كل توصيف حاد محكوم بالانزلاق إلى حافة التوتر الذي يسميه؟

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف

 

شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...