قصّة بَوْحٍ واعتراف من أصحاب عيون لا تنام إلى أصحاب أقلام لا تُكسر رغم المِحن..!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

– جدران رقميّة تحاصر العقول المثقفة والمتنورة
فقط الآن فهمت لماذا قال لي يوماً أحدهم: «نعرف عنك ما لا تعرفه أنت عن نفسك.»
معرفة الأشخاص أكثر مما يعرفون أنفسهم حيث أدى التقدم العلمي المتسارع، الذي شهدته السنوات الأخيرة، إلى توسيع الفجوة بين المعرفة العامة والمعرفة التي تمتلكها النخب الحاكمة، فبفضل علوم الأحياء والأعصاب وعلم النفس التطبيقي؛ تمكنت الأنظمة السياسيّة والاقتصاديّة من معرفة الكائن البشري جسديا ونفسيا، فالأنظمة تستطيع معرفة الشخص العادي بشكل أفضل مما يعرف هو نفسُه، وهذا يعني أن النظام، في أغلب الحالات، هو الذي يملك أكبرَ قدر من السيطرة والسلطة على الأفراد أكثر من الأفراد أنفسهم.
مع أنني لست شخصاً عادياً..!
ننطلق من البيت الشعري الخالد المنسوب للإمام الشافعي رحمه الله:
«وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ ؛ وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا»
ويعكس هذا البيت معنى عميقًا في النفس البشرية والاجتماع: فحين تكون عين المرء راضية، يغض الطرف عن السلبيات ويجد لها الأعذار، أما حين يسود السخط، فلا يرى سوى المساوئ ويتصورها بلا تجاوز. السؤال الإشكالي الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يمكن استخدام هذه النظرة النفسية في فهم آليات الرقابة والمراقبة الرقمية، حيث تتصرف الخوارزميات بعين «سخط» على كل اختلاف أو شذوذ عن النموذج المبرمج؟
في زمن تتعدد فيه أدوات المراقبة وتتنوع وجوهها، لم تعد السلطة في حاجة إلى عيون بشرية ترصد الآذان وتسترق السمع عبر جدران الزنازين، بل أصبحت بحاجة إلى عيون إلكترونية وخوارزميات متقدمة، تُحصن النصوص والفكر والإبداع قبل أن تصل اليد إلى الجسد. هذه الخوارزميات، كعين السخط، لا تغض الطرف عن أي «عيب» محتمل، بل تُظهر كل خطأ أو شذوذ صغير على أنه تهديد، مهما كان بسيطًا أو هامشيًا.
ولذلك، لم تعد المراقبة حكرًا على الطرقات أو المساحات الفيزيائيّة، بل امتدت لتتسلّل خلسة إلى النصوص المكتوبة، تفتّش وتقلّب الحروف كما يُقَلَّب الحجر في أرض بور، بحثًا عن أي شبهة يمكن ربطها بظرف للأحداث وتُحوَّل إلى تهمة.
وهنا تظهر جدليّة العصر الرقمي: كيف يمكن للعقل الإبداعي أن ينمو ويزدهر ويبتكر وسط نظام يفسر كل اختلاف على أنه غلط أو خطأ، ويختزل التعقيدات الإنسانيّة إلى مؤشر رقمي واحد؟
* خوارزميات الاصطياد؛
صارت العيون الرقميّة ترصد وتتبع من خلال خوارزمياتٍ حسّاسة، مبرمجةً على رصد مفردات بعينها: أسماء، وكلمات، وعبارات…، إذا وردت في نص أرسلت إلى خوادمها إشارةً حمراء تُعلن في وهمهم عن وجود “صيدٍ ثمين”.
لكنّ التاريخ، قديمه وحديثه، أثبت أن الفكر الحرّ كان وما يزال عصيّاً على الترويض، وأن الفكرة والكلمة الصادقة إذا انطلقت من قلب صاحبها، نفذت إلى القلوب والعقول معًا.
يكفي أن يكتب المرء على أي محرك بحث عبارة: “محنة فلان من المفكرين والأئمة والفقهاء والعلماء” حتى تتوالى أمامه أسماء كبار الأمّة:
1. الإمام مالك بن أنس؛ واجه اضطهادًا سياسيًا من والي المدينة والسلطة الأمويّة بسبب موقفه من بعض المسائل الفقهيّة، فتعرّض للتوقيف والتهميش والإبعاد والمنع من التعليم لفترات.

2. الإمام الشافعي؛ تعرّض للمضايقات بسبب آرائه الفقهيّة المختلفة، وأُبعد من بعض المراكز العلميّة، واضطر للانتقال بين المدن طلبًا للعلم والاستقرار.

3) الإمام أحمد بن حنبل؛ واجه محنة كبرى في عهد الخليفة المعتصم والمأمون بسبب رفضه الاعتراف بخلق القرآن؛ وسُجن وعذب، لكنه صمد وظل رمزًا للثبات على العقيدة.

4. الإمام البخاري؛ تعرض للاضطهاد أحيانًا من بعض الحكام بسبب جمعه للحديث والتحري الدقيق فيه، وكان يتلقى تهديدات ومحاولات لمنعه من التعليم.
وقس على ذلك محنة علماء في الغرب مع الكنيسة، ومنهم على سبيل المثال:
1. جاليليو جاليلي؛ الذي أُجبر على التراجع عن تأييد نظرية كوبرنيكوس حول (مركزية الشمس) لأنها تعارضت مع التفسير الكنسي للكتاب المقدس. عاش بقية حياته تحت الإقامة الجبرية.
2. جيوردانو برونو؛ فيلسوف وعالم فلك تبنّى فكرة تعدد العوالم، فاعتُبر مهرطقًا وأُعدم حرقًا.
3. كوبرنيكوس؛ نشر كتابه حول مركزية الشمس متأخرًا خوفًا من الاضطهاد، ورأى النور في العام الذي توفي فيه.
4. ميغيل سيرفيتوس؛ طبيب ولاهوتي نقد العقيدة التثليثية، فأُحرق حيًّا.
عندما نتساءل لماذا ضاع ولم يُكتب تاريخ العبيد؛ رغم أنه كان تاريخ مُعاناة ومِحنة وعذاب وآلام ومقاومة وصمود؛ سنجد أن التّاريخ يكتبه ويصنع أحداثه ووقائعه الأحرار؛ وليس العبيد.
عندها يتحوّل ألدّ الخصوم والأعداء؛ من حيث لا يشعرون؛ إلى قرّاءٍ مخلصين ومحبّين أوفياء، بل ومريدين وفقراء إلى ذلك الحرف الذي جاءوا يومًا لمراقبته ومُطاردته.
* مهمة الجاسوس:
كلّفه القوم أن يكون عينًا لا تنام، ترصد حركات وسكنات الناس، وتتبع كلماتهم في العلن والخفاء.
أوكلوا إليه مهمّة التسلل بين السطور، واستراق السّمع للأنفاس الفكريّة، وأمروه أن يُرجِع البصر في النصوص كَرّةً بعد كَرّة، كما يُعيد الفاحص نظره في موضع الشك، علّه يظفر بخللٍ يَحْمِلُهُ إليهم على طبق الاتهام.
كان يقرأ لا بعين المتذوّق، بل بعين الرقيب الراصد الذي يتعقب ويفتّش لعله يجد ثغرة ما، أو يبحث عن جملة توصل إلى اتهام بالخيانة للثالوث المقدس: الله – الوطن – الملك.
كانوا يريدون دليلًا واحدًا، ولو كان شبهةً تُلوى أعناقها حتى تصير تهمة. لكنّ البصر، كلّما عاد إليه، عاد خاسئًا لا يحمل في يده إلا الفراغ والسراب، وحسيرًا من طول البحث والتمحيص.
* التحوّل المفاجئ:
ومع تكرار الكرّات، بدأ الحرف يستميله من حيث لا يشعر فتسلّلت إليه حرارة المعنى وعذوبة الكلمة، فإذا به أصبح ينتظر مقالاتي انتظار العاشق الولهان لموعد الحبيبة، يجلس إلى قهوته كما يجلس المحب إلى سمر الليل، يقرأ لا بعين الرقيب، بل بعين القارئ المولَع، يلتهم السطور التي كُلّف بمراقبتها، وكأنها رسائل شخصيّة موجهة إليه وحده.
يحكي لي أنه مرّة؛ وحين أُغلق الحساب، شعر وكأن نافذةً على العالم قد أُوصدت في وجهه، فجلس حائرًا بين أن يطلب مني المقال الذي لامس تقاطعاً مع موضوع بحثه في الماستر، وبين أن يلوذ بالصمت خشية افتضاح واكتشاف أمره أمام من سخرُّوه للقيام بهذه المهمّة الوسخة.
* حين ترتد السهام:
لقد أرادوا له أن يكون خصمًا عنيداً؛ فإذا به يصير قارئًا وفيّاً. وأرادوا منه أن يجد العيب؛ فإذا به لا يرى إلا الإتقان. وأرادوا منه أن يكون شاهدًا ضدّي؛ فإذا به شاهدًا على حقيقة عجزهم.
لقد تكسّرت سهامهم قبل أن تبلغ الهدف، فكان المآل كما قال الله سبحانه تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾.
* الكلمة التي لا تُطفأ:
أللهُمّ اجعل كَيْدَ الْخَائِنِينَ والكائدين والْمَاكِرِينَ في نحورهم، وامنع عنّا شرّ أعينٍ لا ترى إلا بعيون غيرها، وآذانٍ لا تسمع إلا بأوامر أسيادها، وألسنةٍ لا تنطق إلا بما يُملى عليها.
وختامًا، فإنهم مهما أحكموا المراقبة وأطالوا التتبع وبنوا الأسوار المرئيّة والخفيّة؛ فلن يقدروا على أسر الروح التي تعلّمت الطيران، ولا على إسكات القلم الذي تعلّم أن يكتب بمداد الحِكمة والصدق والوفاء والوطنيّة الوفيّة الصادقة لله والوطن والملك.
فالكلمة الحرّة كالنور، قد تُحاصَر أحيانًا، لكنها لا تُطفَأ. وما دامت تنبض بالحياة، فإنها ستجد طريقها دائمًا إلى عينٍ مبصرة، وقلبٍ حرّ، وعقلٍ لا يعرف الركوع.
دام لك المجد والشموخ، يا وطني العزيز، حصن الكرامة وموئل الأحرار، ومهد الكلمة التي لا تُشترى، ولا تُباع.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف

 

شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...