نهى عسكر
ماذا لو قفز أحدهم من «مركز اليقين إلى هامش الشك؟» من طمأنينة المسلمات والموروث إلى مغامرة اكتشاف فضاءات أوسع غزيرة بالاحتمالات؟ في مجتمع مغلق حبسته الجغرافيا، «تستلبه مظلومية الماضي، يسكنه قلقٌ في حاضرنا، وخوف من غدنا»، نشأت الصبية سبيل بطلة رواية «أيتام الجبال» للكاتبة السورية نجاة عبد الصمد. وكما في رواياتها السابقة وروايات معظم الكاتبات والكتاب السوريين ما بعد ثورة 2011، نجد أنّ هماً سورياً داخليا، يسكن نتاجهم مرتبطا بتفكيك المصفوفة السياسية والاجتماعية والدينية، تلك التي تماسكت مع الزمن وتحولت لقبضة يد تعتصر كينونة المواطن السوري، فقوّضت إبداعه وحريته وفرادته وجرّته نحو مستنقع الانتماءات الضيقة: لدين أو طائفة أو أيديولوجية، أو مجتمع له تاريخه ومظلوميته.
في رواية «أيتام الجبال» تلتقط الكاتبة نجاة عبد الصمد مبضع الجراح تُنقّب عن الخلل والخلايا المسرطنة، تنتقل بين آفة وآفة، يقودها ليس فقط مهنتها كطبيبة، والتي تحتم عليها إيجاد المرض والعلاج، بل حسها الإبداعي ككاتبة مرهفة تعرف أدواتها اللغوية، تثق بها وتبرع باستخدامها، لتحيكَ في النهاية ملحمة فتاة اخترقت المصفوفة وعبرت إلى عالم أرحب ليس بالضرورة أقل شقاء، ولكنه عالمها الذي سعت إليه. يأتي هذا المقال مكمّلًا لعملي البحثي «قراءة الأمة المشوّهة»، الذي يتناول طرائق النقد الذاتي في الرواية السورية والعراقية الحديثة. إلى جانب هذا المحور، عالجت «أيتام الجبال» موضوعات أخرى مثل التوثيق، وعلاقات النساء، والبعد العابر للثقافات. ورغم أهمية هذه الثيمات، لا يتّسع هذا النص لمناقشتها جميعا؛ لذا سأركّز هنا على بعض منها وسأتناول الجوانب الأخرى بمزيد من التفصيل في مقالٍ باللغة الإنكليزية سيُنشر لاحقا.
من سردية «العورة» إلى ثورة
تنطلق «سبيل» ابنة السويداء في مهمة عسيرة سيزيفية، إذ تعمل منذ صغرها على «تفكيك إرث بالغ الثقل» مكنونه الشعائر الدينية والاعتبارات الاجتماعية. لا يخفى على القارئ السوري أن هذا المجتمع هو نموذج مصغر لمجتمعات دينية وإثنية سورية أخرى تترامى في الفضاء السوري. صحيح أن المجتمع الدرزي له خصوصيته في معتقده وعاداته، كما للمكونات السورية الأخرى، إلا أنه يتشابه معها في تناقضاته وسلبياته وإيجابياته. وهنا تكمن إحدى قيم هذه الرواية، كمنطلق من الخاص للعام، ومن الحالة الفردية للجمعية. تقول «سبيل» التي حلقت خارج السرب وذهبت لتدرس وتصبح طبيبة في الاتحاد السوفييتي بعد صراع مع أهلها وبقلب يغمره فرح النجاح بالتخرج ويعصره ألم الرفض والنبذ، كان «لابد لأحدنا أن يفارقها ليرى بعينيه أننا ككل أهل الأرض، بجمالنا وقبحنا. ولسنا، لا نحن ولا غيرنا» أفضل الأمم وخير من وطئ الأرض بقدم. «ويفارقها أيضا ليروي سيرتنا في الكفاح والترحال، ككل البشر».
كم من طفلة مثل سبيل، عيّرتها والدتها بزيادة وزنها، أو حُرمت من حق التعليم، أو عاشت دونية البنت في مجتمع ذكوري، أو أن وجودها نفسه كان سببهُ الحاجة للصبي في العائلة؟ وكم من غزالة (والدة سبيل) اضطرت للزواج بعد حب فاشل، تحمل أعباء زواج تعيس، ولا تجد قيمتها فيه إلا بإنجاب الذكر المنتظر من جاراتها ومحيطها قبل زوجها؟ وكم من حسن رافع والد سبيل، ممن تلبّس الطاعة للدين والكتاب ولرأي جموع المؤمنين من صحبه على حساب تطويع قلبه ليصغي لأولاده، ويسمع شغفهم وهمومهم؟
تبدأ الرواية بهبوط طائرة سورية في موسكو عام 1985 «تحمل مئة وخمسين طالبا؛ 149 شابا، وأنا..». في لحظة مشحونة بالترقب والخوف من المجهول وبذاكرة مشتعلة. هو الفراق الفيزيائي المكاني الذي يشعل نارا أخرى أكثر إيلاما، يتلظى فيها الروح والعقل، من صراع المشاعر والأفكار، التي قد تبدو متناقضة متناحرة لكنها في جوهرها تنبع من داخلٍ مشوّش محبوس في قمقم العادات والواجبات الدينية والاجتماعية وحتى السياسية، وما الاغتراب إلا فتحة التنفس، من خلالها تندفع كل الأسئلة المؤجلة والمشاهدات المكبوتة، لتتكثف وتصنع سحابة تجثم على صدر حاملها. هكذا أمطرت سبيل في زاباروجيا، شرّعت الأبواب والنوافذ لأسئلتها، وبدأت تعالج ورم ذاكرتها وتحاكم من حولها، أبويها وأقرباءها ومجتمعها، تارة بحب وتارة أخرى بحقد، ولم يخف على الفتاة القوية المكافحة أن تحاكم نفسها أحيانا وتبحث عن إخفاقاتها.
تم تصميم الرواية على شكل سيرة ذاتية لبطلتها، أو مدوّنة لمذكراتها، ما جعل استخدام تقنية الخطف خلفية(flashbacks) منسجمة مع بنيتها، حيث يتمرجح القارئ على حبل الذكريات بين طفولة البطلة ومراهقتها وشبابها في مدينة السويداء (وريفها) وزاباروجيا المدينة الأوكرانية، حيث تكمل دراستها. قد يشعر القارئ بتكرار تفاصيل من معاناة سبيل، إلا أن ذلك قد يصب في مصلحة تكثيف وصف البؤس الذي عاشته.
الأدب فعل توثيقي
التوثيق في الأدب ثيمة تحدث عنها الباحثون في دراسات الذاكرة، حيث تتجاوز عملية التوثيق قالبها التقليدي، الذي يقتصر على المؤرخين وكل مهتم بالشأن العام ممن يدوّن مشاهداته، وهو ما قامت به الكاتبة نجاة عبد الصمد مؤخرا في توثيق أحداث مجزرة السويداء، التي جرت في يوليو/تموز 2025 على يد عشائر وقوات الأمن السورية، من خلال الاستماع لمرويات الضحايا الناجين. وحسب دراسات الذاكرة، الأدب أيضا، حتى المتخيّل منه، يعطي بعدا توثيقيا لأحداث عصره (حسب ريغني وإيرل 2009).
من الثيمات التي اشتغلت عليها الكاتبة في الرواية، الدعوة للتحرر والانعتاق وذلك ما يلفت انتباه القارئ من صفحة الإهداء أي قبل الولوج إلى عالم سبيل ورحلتها. تقول الكاتبة بعد إهداء روايتها لأفراد من عائلتها: «وإلى كل نبيهة علقت هناك، خلف أسوار حارة الأجاويد». ربما يكون كل من شخصيات الرواية قد علق بشكل أو بآخر بمكان وواقع فُرض عليه أو عليها من الظروف المحيطة، إلا أن ما يشكل الفارق الجوهري بين كل الشخصيات الروائية، وفي واقع الحال، هو فسحة الاختيار والقرار مقابل العيش بإملاءات الغير. إذن رحلة الانعتاق الفردية هي إحدى طبقات السرد الروائي الظاهرة وما يكمن وراءها هو رغبة الكاتبة في إصابة غيرها بعدوى الانعتاق. هي رحلة محفوفة بالألم والأمل معا نحو عوالم الذات، إلى اكتشاف الفردانية ومعرفة الرغبات الجسدية منها والنفسية، وتشكيل القناعات الشخصية، ورغم أن مهمتها قد تبدو شبه مستحيلة في مجتمع قبلي متدين وذكوري بامتياز، إلا أن سبيل عبرت عنق الزجاجة وهو ما تتمناه لكل فتاة من جيلها ومن بيئتها، ممن حرموا من حق الدراسة، والعمل، والاختيار، ومعرفة مواهبهن ورسم قدرهن. وهنا تكمن كناية اسمها «سبيل»، فحكايتها أظهرت سبيلاً للخلاص ومن الجيد التدقيق هنا أنه سبيل وليس السبيل. سنعلم لاحقاً أكثر عن قصة نبيهة التي خرجت من المدرسة، وهي في الصف الخامس وزوّجها أهلها، تقول سبيل:
لا أعرف إن اختارت نبيهة بنفسها ترْك المدرسة، أم كان لها حلمٌ تسير إليه، صامتٌ وغاضبٌ مثل حلمي! هل صرختْ نبيهة؟ ربما لو صرختْ لسمعها منقذٌ ما، ومدّ إليها حبلاً تتسلّقه، أو ربما صرختْ وكسر أهلها صوتَها فلم يخترق حارةَ الأجاويد، عالية الأسوار. تبقى حقيقةٌ واحدة: أنّ نبيهة علقتْ هناك وأنا نجوت، ولو لم أنجُ لما ولدت هذه الحكاية.
من جهة أخرى، رحلة سبيل هي رحلة مصالحة مع الذات والماضي والذاكرة. ومن هنا تأتي أهمية «إعادة سرد ما حدث»، الاقتباس الذي أرفقته الكاتبة عن حنا آرنت. من شأن «مراجعة الماضي» وسرده وتدوينه، بعث الحياة في قصص وشخصيات منسية، وإعطاء صوت لكل ضحية من ضحايا التواطؤ المجتمعي والديني على الأفراد، إناثاً وذكورا. إذن تتضافر الثيمات الثلاث: الانعتاق والسرد التوثيقي والمصالحة لتنتج سردا سلساً مشغولًا على إيقاع موزون لغته الحب والعتاب أكثر من لغة الغضب، وهو ما أراه عنصر فرادة وجذب للقارئ الباحث عن سكينة الروح.
النقد الذاتي: نحن وأنا.
لا تكتشف سبيل أنها ابنة ريف، من درب الحجل، إلا عندما تسكن في السويداء. «ما كنت أعرف، أنّ ابن المدينة يتكبّر على ابن الريف ويرفضه ندّاً حتى إن اشترى بماله أرضا في المدينة، كما يتكبّر دروز درب الحجل على بدوها، والأغنياء على الفقراء، كما، الناس على الناس في كل مكان». تتحدث عن بنية المجتمع الدرزي والبينيات فيه دينيا واجتماعيا وإشكالاته، «لا تتعاطى حارات الأجاويد مع محيطها من حارات الجُهّال إلا بواجب الجيرة الذي أوصى به الله»، وهو ما يعزز فكرة الاختلاف ووجوب تلافي التعميم، فلديها من الحلفاء والأعداء من مختلف الأطياف، سوريين وعرب وأجانب.
ولأن «البنت المؤدبة لا تعترض على ما يفعله الكبار»، كما علّمتها والدتها، لن تعرف كيف تعترض على التحرش الجنسي من جارهم. في المحصلة، تأتي النتيجة الحتمية لكل ما تعرضت له من تعنيف وإسكات، إلى إدراكها أن «الشعور بالدونيّة يعشّش فيّ، إن ضربني أيٌّ كان فلأنني أستحق هذا الضرب». إلّا أن الاحتقان بين أفراد العائلة والسخط والعنف يعاد تكراره في الأولاد. تغضب سبيل من ميسون، إحدى زميلاتها فتتمنى أن يعيدوا والدها من السجن «مقطّعًا في تابوت»، ثم تستدرك: «من أين جاءتني هذه الأمنية القذرة؟». وإزاء كل ذلك، تجد في غربتها الشخصية ملاذا لها، سميرة وفرس بيضاء، هي شخصيات خيالية تواسيها وتصغي لها، هما عالمها الوحيد الذي صنعته والذي تملكه وحدها. تناديهما، «معهما لا أعود غريبةً ولا خجولةً ولا عنيدةً ولا نكِدة ولا ساخطة ولا بشعة، أصير حلوةً مثل اشتياق، وأمي تحبنا معا ولا تُفرّق بيننا».
ختاما، في حين تبدأ الرواية من فتاة تائهة تجر خيبتها من أهلها ومحيطها، مثقلة بالطموح والألم في طائرة متجهة إلى المجهول، لتبدأ مشوار غربتها، تنتهي الرواية بتخرجها بنجاح مستحق، وهي لا تزال في غربتها لكنها أقوى وأكثر نضجا وتصالحا مع الذات وأقدر على تسمية الأشياء بمسمياتها. إذن ثمة حلقة مغلقة في رسم البداية والنهاية يكمن فيها جوهر الشعور باستمرارية المنفى والغربة، تطورت فيها شخصية سبيل وهو هدف روائي لا يستهان به.





