سكينةُ الموقف وهيبةُ الوداع والرحيل ساعة الدفن والنطق..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدكتور عبد الله شنفار

 

اللهم ارحم الغائبين الذين سبقونا إليك، واغفر لنا نحن الحاضرين الذين غاب عنهم التواضع والحياء ساعة الدفن والنطق.
عجيبٌ أمر هذا الإنسانِ الأكثَرَ شيءٍ جَدَلًا حين يواجه لحظة الموت!
فبينما تنكسر القلوب رهبةً وهي ترى الجسد يُوارى في الثرى، يعلو بين الجمع أحيانًا صوتٌ يخترق السكون، يذكّر الناس بنار جهنم وبئس المصير وعذاب القبر، يرفع صوته بالوعيد، وكأن الرحمة غابت عن المشهد، وكأن الميت لم يكن بالأمس قريبًا حبيبًا.
أيّ فقهٍ هذا الذي يجعل من موطن الرحمة والعبرة ساحةَ تخويفٍ ووعيدٍ واستعراض؟
وأيّ غفلةٍ عن سُنّة الرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، الذي علّمنا أدب اللحظة وقداستها؟
فقد ثبت في الحديث الصحيح عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: «كان النبي عليه الصلاة والسلام، إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل.»
بهذه الكلمات القليلة رسم لنا النبي ملامح الموقف كله: خشوعٌ بلا صراخ، ورحمةٌ بلا تهديد، ودعاءٌ صادقٌ في سكونٍ يليق بعظمة الحدث.
إن الدعوة في حضرة الموت ليست خطابًا موجَّهًا إلى العقول بقدر ما هي لمسةٌ على القلب، وتذكيرٌ بأننا جميعًا سائرون إلى المصير ذاته.
وليس المقام مقام منبر، بل مقام دعاءٍ واستغفارٍ ومراجعةٍ صامتةٍ للنفس.
حين يرفع أحدهم صوته في الجنازة بالوعيد والنذير، يَفُتُّ في عضد أهل الميت بدل أن يُسري عنهم، ويُبدّل هيبة الموت إلى ضجيجٍ يبدّد السكينة.
وكأننا نسينا أن الرحمة هي اللغة التي تفهمها الأرواح في لحظة الوداع.
لقد كان السلف؛ كما يروي أهل السير؛ إذا حضروا دفن ميتٍ، سكنت جوارحهم وخفَتت أصواتهم، كأنما على رؤوسهم الطير، يستغفرون في سرّهم، ويتأملون مصيرهم القادم.
أما اليوم، فقد صار بعضنا يُلقي الخطب والوعظ في موطنٍ أحقّ ما يكون بالسكوت والخشوع.
فلنُعد للموت سكينته، وللجنازة هيبتها، وللدعاء صفاءه.
ولنقف عند القبر كما وقف نبيّ الرحمة: بخشوعٍ ودعاءٍ واستغفارٍ خفيٍّ، لا بصخبٍ يبدّد المعنى.
فإن من أحبّ الميت حقًّا، دعا له في صمتٍ ورقّةٍ ورحمةٍ، لا في ضجيجٍ ومبالغةٍ واستعراضٍ.
ولعلّ في هذا الصمت الصادق ما هو أبلغ من كل موعظةٍ تُقال.
اللهم ارحم الغائبين الذين سبقونا إليك، واغفر لنا نحن الحاضرين الذين غاب عنهم التواضع والحياء ساعة الدفن والنطق.
اللهم اسقِ بهيمتك، وانشر رحمتك، وأحيِ عقول عبادك الميتة…
فقد صار بعض الناس يُشيِّعون الميت بأصواتٍ أعلى من وقع المعاول، ويظنون أن التذكير بالله لا يكون إلا بالترويع، وأن الرحمة لا تُفهم إلا بعد صفعةٍ من وعيد.
ما أضيق الأفق حين يُختزل الدين في زجرٍ، والموعظة في صوتٍ مرتفع!
كأن الله لم يُنزِل من رحمته إلا نصيبًا للغاضبين، ولا جعل في الكلمة الطيبة أثرًا إلا إذا نُطقت بصرخةٍ فوق المقابر.
يا سادة الوعظ المرتجل، إن القبور لا تحتاج إلى خطباء، بل إلى قلوبٍ تعرف معنى «استغفروا لأخيكم».
وإن الأرض التي تبتلع الجسد لا تريد صدى أصواتكم، بل نداء الرحمة من أفواهٍ خافتةٍ وقلوبٍ حاضرة.
فأحيوا ما مات فيكم من رِقّةٍ، قبل أن تُدفن مع آخر من وُدِّع.
فالخشوع لا يُعلن على الملأ بالضجيج، والرحمة لا تحتاج إلى مكبّر صوت.

* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...