استنساخ الوجود: من عدسة الإنسان إلى بصيرة المطلق؛ مقاربات في الوعي السياسي والميتافيزيقي لعصر الصورة
* الدكتور عبد اللَّه شَنْفَار
– بين الأرشفة الرقميّة وسجلّ الحقيقة: نحو تفكير استراتيجي في معنى الرؤية ومسؤولية الإنسان
في زمن تتحول فيه الوقائع والأحداث إلى بيانات، والإنسان إلى أثر بصري؛ تتبدّى الحاجة إلى إعادة التفكير في ماهية “التسجيل” ذاته:
ماذا يعني أن تُحفظ أفعالنا؟ وأن تُعاد مشاهد الواقع خارج أفقنا؟ وأن يصبح الاستنساخ تقنياً كان أو ميتافيزيقياً أداة لإعادة تشكيل وعينا السياسي والوجودي؟
هنا، يتجاوز السؤال مجرد مقارنة بين عدسة كاميرا وهاتف، بل يتسع ليشمل بنية الإدراك وحدود المعرفة ومسؤولية الكائن البشري داخل عالم تُعاد صياغته لحظة بعد أخرى.
– أوّلاً: الاستنساخ التقني: حين تصبح الذاكرة خارج الجسد
لم يعد التصوير مجرّد وسيلة لحفظ اللحظة؛ بل أصبح آلية لتصنيع الوعي. حيث تتوزع حياتنا اليوم بين عدسات الهواتف وخوارزميّات التعرف على الوجوه وبصمة العين وبصمة نبرات الأصوات، في سياق يُوحي بإعادة إنتاج الواقع دون أن يمتلك قدرة القبض عليه فعلاً.
ورغم التطور الهائل في تقنيات الدقة: من وحدات البيكسل إلى الأنظمة فائقة الوضوح من خاصية وميزة (HD)؛ تبقى الصورة الرقميّة تمثيلاً مبتوراً:
* فهي مقيدة بأفق الحسّ الذي صمّمها،
* وهي محكومة بانزياح المعنى أثناء النقل،
* وهي أيضاً وفاقدة للسياق العام الذي يمنح الحدث وِجدانه وروحه.
إنها محاولة بشريّة لامتلاك اللحظة، لكنها في جوهرها لا تفعل سوى تحويل الوجود إلى سطح، وإلى ظلال لا تحمل من العالم سوى انعكاساته.
– ثانياً: الاستنساخ المطلق: من التمثيل البصري إلى التسجيل الوجودي
في مقابل هذا الاستنساخ المحدود، يقدّم القرآن الكريم نموذجاً آخر للتسجيل، يصفه بقوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (سورة الجاثية، الآية: 29).
هنا لا يتعلق الأمر بتمثيل بصري، بل باستنساخ وجودي يطال:
* النيات قبل الأفعال،
* البواطن قبل الظواهر،
* والكيان في جوهره لا في انعكاساته.
إنه تسجيل لا يُجمَّد في أرشيف ميت، بل يُقدَّم في “كتاب ينطق بالحق”، حيّ في دلالته، وشامل في إحاطته، ومتعالٍ على قمّة أدوات الزمان والمكان.
ثالثاً: كشف الغطاء: من دقة البيكسل إلى حدّة البصيرة
وتبلغ المقارنة ذروتها مع مشهد سورة ق: {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} (ق: 22).
هنا ينتقل الإدراك من مستوى الحسّ إلى مستوى الحقيقة:
* البصر لا يعود وظيفة فيزيولوجيّة،
* بل يتحول إلى بصيرة عارية من الأوهام،
* قادرة على رؤية الوجود بلا غبش أو غشاوات الثقافة أو الانحياز أو ممانعات النفس.
إنه انقلاب كامل في بنية الرؤية، حيث تفقد عدسة الكاميرا كل معناها، وتبقى الحقيقة عاريّة ومكشوفة كما هي.
أمام هذا الأفق، تبدو كل معايير الدقّة في التصوير الحديثة؛ مجرّد “خربشة” مقارنة بحِدّة تكشف جوهر الأمور في لحظة واحدة.
– رابعا: السياسة والقوة والوعي تحت سلطة الاستنساخ
لا يقف هذا النقاش عند حدود اللاهوت أو الفلسفة، بل يمتد إلى بنية السلطة السياسيّة المعاصرة.
فالدولة الحديثة، عبر منظومات الرقمنة والمراقبة، تحاول أن تنتج “كتابها” الخاص بها: كتاب عبارة عن سجلات، تحمل قواعد بيانات، وعدسة كاميرات، وتحليلات واحتمالات تنبؤيّة تموقعيّة وتوقعيّة.
لكن هذه الرقابة على سعتها؛ تظل قاصرة أمام الرقابة الوجوديّة التي يصفها لنا القرآن: رقابة لا تصنع مواطناً خائفاً، بل إنساناً مسئولًا أمام الله عزّ وجل قبل كل شيء، وامام ذاته، وأمام وعيه، وأمام معنى أعمق من الدولة والمجتمع وموازين القوة.
إنها نقلة من ثقافة الرقابة الخارجيّة إلى ثقافة الشفافيّة والكينونة، حيث يصبح الإنسان شاهداً على نفسه لا مراقَباً من طرف سلطة ما.
– خامساً: الهداية في زمن الضياع الرقمي: البوصلة الوجودية
في عالم يتسيّد فيه التشويش، وتتشابك فيه الحقيقة بالصورة، وتتحول فيه الهويّة إلى ملف رقمي؛ تظل آية الهداية إطاراً تفسيرياً بالغ العمق: {يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَن يَشَاءُ… وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي}.
ليست الهداية هنا وعظاً، بل نظام ملاحة وجودي عبارة عن: (GPS) روحي؛ هامش الخطأ فيه للتيه أو الضياع (مَجْلِي) (Lost)؛ يعيد الإنسان إلى مركزه في عالم تزداد فيه حالة الغربة والاستغراب رغم الاتّصال.
إنها مقاومة ضد تسييل الذات في بحر البيانات، وضد اختزال الإنسان إلى صورة أو أثر أو حركة رقميّة.
– سادسا: نحو إعادة تعريف للرؤية: من المشاهد إلى الشاهد
تفضي هذه المقاربة إلى مفارقة لافتة:
كلما ازدادت أدواتنا براعة في تصوير العالم، ازداد عجزنا عن رؤيته.
وكلما اقتربنا من استنساخ الواقع تقنياً، ابتعدنا عن إدراك حقيقته الوجوديّة.
فالبصر الحديد “بَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ” كما تصفه الآية الكريمة؛ ليس امتداداً لرؤية العين، بل تجاوزاً لها: هي قفزة من الرؤية إلى الكشف، ومن الصورة إلى المعنى، ومن الاستنساخ إلى الشهادة.
– خلاصة تأمليّة:
نعيش اليوم في عالم تحكمه الصورة، لكن مستقبل الوعي لن يُصنع عبر تحسين عدسات الكاميرات، بل عبر تحسين عدسات الإدراك.
فالاستنساخ الإلهي بما يحمله من شمول ودقة؛ لا ينتقص من الإنسان، بل يرفعه، لأنه يحمّله مسئوليّة الاختيار.
وهكذا يتأسس الوعي الحديث لا على أساس الخوف من التسجيل، بل على الإيمان بأن الوجود ذاته مرئي ومكشوف وناطق.
إنه دعوة إلى الانتقال من كوننا مشاهدين لصور العالم، إلى أن نصبح شهوداً على معناه.
الاستنساخ الإلهي الوارد في قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} يكشف عن مستوى عالً جداً من الإحاطة ويفوق بكثير وبلا قياس كل محاولات الاستنساخ والتسجيل والتوثيق البشري عبر عدسات الكاميرات والهواتف.
فإزاء هذا الأفق المتعالي، تبدو أدقّ معايير التصوير والاستنتاج والتسجيل والتوثيق الحديثة؛ مجرّد خربشات ولمسات باهتة، لا تقارن بحدّة الاستنساخ والتسجيل والتوثيق الإلهي وتمام كشفه ونطقه بالحق.
* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





