الشوارع مرايا

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

حسن مدن
كاتب وباحث من البحرين

 

 

 

لا يصحّ النظر إلى الشارع فضاءً عاماً بسيطاً، فهو مرآة تعكس الصراعات العميقة الدائرة في أي مجتمع، ومن خلاله يمكن تتبع الديناميات السياسيّة والاجتماعيّة في المجتمع المعني، وتقاطع القوى المتناقضة أو المتخاصمة، وفي حالاتٍ كثيرة، يكفّ الشارع عن أن يكون مُوحداً لإرادات الناس الجمعية، ويتحوّل إلى معبّرٍ عن انقسامات مجتمعية، وهويات فرعية داخل المجتمع الواحد، ينشغل أصحابها بما يخصّهم، أكثر من انشغالهم بما يُوحّد ويجمع، تحت تأثير عوامل بعضها مشروع وبعضها مفتعل.

ولو أخذنا “شارعنا” العربي مثالاً لوجدنا أنّه يعكس، في أجلى صورةٍ، التغيّرات الاجتماعيّة والسياسيّة العميقة التي جرت في المجتمعات العربيّة خلال العقود القليلة الماضية، وبعض هذه التغيّرات أشبه ما تكون بالانقلاب على المنجز الفكري والسياسي اليسير الذي تمّ تحقيقه في مراحل تاريخيّة سابقة، فبتنا نشهد تراجع الأفكار الكبرى المُوحِّدة، سواء أتت في رداء يساري أو ليبرالي أو قومي، لمصلحة نزعاتٍ فئوية الطابع الذي يُغَلب ما هو فرعي، أو جانبي، على ما هو مُوحد وجامع.

بات من الصعبِ اليوم الحديث عن شارعٍ عربي، وإنّما عن مجموعة شوارع في المجتمع الواحد، فهناك شارع مسيحي (أو قبطي)، وشارع إسلامي، وهذا الأخير بدوره يمكن أن ينقسم إلى شارع سنّي وآخر شيعي، فضلاً عن الشوارع الخاصة بالأقليات المختلفة التي تعيش في هذا البلد العربي أو ذاك، بل طاول الانقسام التعدّد الجهوي، أو المناطقي، الذي بلغ حدّ الحرب الأهلية أو ما يشبهها، على نحو ما يجري في السودان وليبيا واليمن.

الشوارع مرايا ليست في السياسة وحدها، وإنّما في الأدب أيضاً. في أحد كتبه، أطلق المغربي عبد الله العروي على شوارع المدن مسمّى “الشوارع القلبيّة”، قاصداً أنّها بمثابة القلب للمدينة المعنيّة، تمييزاً لها من الشوارع الخلفيّة الصغيرة، فالأولى تعجّ بالمقاهي والمطاعم الكبرى والمسارح، ولو جاء هذا القول اليوم لأضاف العروي إلى ذلك المجمعات التجارية (المولات) التي تستقطب كتلاً كبيرة من الروّاد.

أتى حديث العروي هذا في سياق العلاقة بين الأمكنة والتعبير، حيث رأى أنّ مثل هذه الشوارع أمكنة لـ “صناعة الأدب”، بالمعنى المجازي طبعاً الذي يعني أنّ شخوص الرواية أو القصة يتحرّكون في هذه الشوارع… وعن روايته “اليتم” قال إنّ الدار البيضاء لم تكن مسرحاً لها، لأنّها لا تؤَمن مثل هذه الشوارع الكبيرة التي تكون ملتقى شخصيات الرواية الرئيسيّة، متسائلاً: أين هو الميدان أو الساحة الكبيرة على نحو ما يوجد في بطرسبورغ، حيث استلهم ديستوفسكي أو تولستوي أحداثاً ووقائع كثيرة مما يحصل في الشوارع الطويلة؟

حين أراد فلاديمير لينين، قائد الثورة البلشفية، مقارعة خصومه، مطالع القرن العشرين وفي إطار المساجلات بين السياسيين الروس، كتب يقول: “السياسة ليست طريقاً ممتداً مثل جادة نيفيسكي في بطرسبورغ، وإنّما هي طريق متعرّج فيه التواءات ومنعطفات”. حين يرى أحدنا هذا الشارع يستطيع أن يُدرك بلاغة هذا التشبيه، لما هو عليه من طول امتداد، حيث لا تعرّجات ولا انحناءات، أما حين تقترن السياسة بالشارع، فإنّ الأمر ينطبق على قول آينشتاين: “السياسة أكثر صعوبة من الفيزياء”.

وإذا كان سياسيٌّ مثل لينين لجأ إلى التشبيه المذكور، فلنا أن نتخيّل ما في وسع المكان أن يطلقه من تأملات في أذهان أدباء كبار من وزن الذين عاشوا في تلك المدينة بين القرنين التاسع عشر والعشرين.

يتحدث كتاب “الروائي ومدينته”، وهو لمجموعة باحثين، تتوفر ترجمة عربية له وضعها أنور إبراهيم، عن علاقة ديستوفسكي بسانت بطرسبورغ تحديداً، كونه عاش فيها طويلاً رغم أنّه لم يولد فيها، لذا أتت مشاعره إزاءها متناقضة، حيناً يبدو مسحوراً بما فيها من جمال، وحيناً آخر يراها أكثر المدن عبوساً في العالم، ولا نحسب أن هناك مدينة لا ينطبق عليها هذا القول، تبعاً لتقلب الحال النفسية للمقيم فيها أو الزائر.

ليست مدننا العربية، وشوارعها – المرايا خالية من الأماكن التي تلهم من يكتبون، لكنّ معضلة مدننا تكون في “سيولتها” من حيث هي تكوين طوبوغرافي أو حضري، لا تكاد ترسو على حالٍ بفعل ما يطرأ عليها من تغيّر دائم، يطاول حتى ما دعاه العروي القلب فيها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...