حسن مدن
كاتب وباحث من البحرين
اهتمّ تولستوي في روايته “الحرب والسلام” بهدم السردية البطولية التقليدية للحرب، وكشف هشاشة طموح صنّاع الحروب المحكومين في كثير من الأحوال بالأوهام، أمام عبثية الموت والدمار. وفي المقابل، أظهر السلام، كما هو فعلاً، بوصفه الحياة العادية للبشر يعيشونها في أجواء من الأمن والطمأنينة والتصالح مع الذات، لتأتي الحروب والفتن والبحث عن بطولاتٍ زائفة لمن يشعلونها لتفسدها.
ليس الجنود أو المقاتلون وحدهم من يكونون ضحايا الحروب، وإنما يموت أضعافهم في حالاتٍ كثيرة. لقد شاهدنا ذلك في قطاع غزّة المنكوب، حيث قتلت إسرائيل نحو 75 ألف فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال، ودمّرت البيوت والمستشفيات والمدارس، وهذا ما شاهدناه أخيراً حين قتلت إسرائيل وأميركا “عمداً” نحو 170 تلميذة من مدرسة ميناب، أعمارهن بين سبع و12 سنة، وإصابة عشرات سواهن، وهو ما وصفه المرصد الأورو متوسطي بأنّه “جريمة مروّعة”، حين دمرت الصواريخ مبنى المدرسة بشكل شبه كامل، وسقطت أجزاء من سقفه الخرساني فوق رؤوس التلميذات.
الحروب في الغالب نتاج مغامرات ساسة أو جنرالات، ترضي نرجسيّتهم المرضية، وتغذّي أوهامهم الزائفة بالمجد، فلا يتردّدون في تكرار لعبة الروليت الروسية الشهيرة، التي ترتبط بالمخاطرة القصوى والعبث بالحياة، وتتلخّص فكرتها في استخدام مسدس دوّار (غالباً ذو ست حجرات)، توضع رصاصة واحدة فقط في إحداها، ثم تدار الأسطوانة عشوائياً، وحين تقف يضع اللاعب المسدس على رأسه ويضغط الزناد، فإن لم تنطلق الرصاصة ينجو مؤقتاً، أما إذا كانت الحجرة التي توقفت عندها الأسطوانة هي التي فيها الرصاصة فيموت فوراً.
تناول الأدب، كما السينما، هذه اللعبة، كثيراً، ومن أفلام مستلهمة منها “صائد الغزلان” (The Deer Hunter) من إخراج مايكل كيمنيو وكتابته، ومع أن الفيلم مستوحى من رواية ألمانية عنوانها “ثلاثة رفاق” تعود إلى 1936، يتناول حكاية ثلاثي يعمل أفراده في صناعة الصلب، خدموا في حرب فيتنام.
أصبح مسمّى هذه اللعبة استعارة بلاغية لوصف القرارات شديدة الخطورة وغير محسوبة العواقب، وهو ما ينطبق على حرب أميركا وإسرائيل على إيران، حين نجح نتنياهو، ببراعة، في استدراج ترامب إليها، مستغلاً الطبيعة التهريجية والاستعراضية للأخير، وهو ما فشل فيه نتنياهو مع رؤساء أميركيين سابقين، موهماً إياه بإمكانية إسقاط نظام الملالي بسرعة فائقة، بل تقويض البلد ومقدّراته، وإحلال نظامٍ موالٍ للغرب وإسرائيل، وخاضعٍ لشروطهما مكانه، ويرى محلّلون ومتابعون كثيرون ما جرى ويجري، سواء في أميركا نفسها أو خارجها، أنّ فكرة الحرب أغرت ترامب لتشتيت انتباه الرأي العام بفضيحة جيفري إبستين، التي لن يسلم من آثارها آجلاً أم عاجلاً.
وقع ترامب في الفخ، وهو الجاهل بالسياسة، فلم يلاحظ الفرق بين فنزويلا وإيران، التي هي في لحظتها الراهنة مكوّن من نزعة إمبراطورية فارسية راسخة جرى توريثها عبر الزمن، ومن بنية أيديولوجية دينية، ما يجعل من إسقاط النظام القائم فيها عبر تدخل عسكري خارجي مهمّة شديدة التعقيد، ويدفع المنطقة كلّها إلى مصير مجهول قد يكون مخيفاً، وهو ما عبّرت عنه سبع جمعيات سياسية في البحرين، في بيانٍ أصدرته عن استهداف إيران البحرين وبلداناً خليجية أخرى، رأت فيه أنّ التصعيد الخطير في المنطقة “يشكل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والعربي، ويفتح الطريق أمام تغيير كامل لخريطة الشرق الأوسط لبسط النفوذ الصهيوني وإقامة ما يسمّى بإسرائيل الكبرى”.
يثير الاستهجان والإدانة والكثير من الغضب أنّ إيران، في ردّها على استهداف أراضيها وقادتها، انزلقت نحو قاعدة “عليّ وعلى أعدائي”، في استهدافها جاراتها دول الخليج العربية، التي حرصت على النأي بنفسها عن التصعيد، عبر تمسّكها بعلاقات جيدة مع إيران. ويقرّ مسؤولون إيرانيون بأنّ هذه الدول لعبت دوراً كبيراً لتفادي سيناريو الحرب، ومنع الانزلاق إليها، عبر انخراطها في وساطاتٍ بين إيران وواشنطن، أو عبر إيصالها رسائل واضحة إلى الأخيرة برفضها فكرة استهداف إيران عسكرياً، لما سيترتّب على ذلك من تبعات خطيرة، ها نحن شهود على فصلها الأول، عبر ردّة فعل طهران بقصف مواقع في بلدان الخليج، بما في ذلك مرافق اقتصادية وسياحية ومنشآت طاقة، ولم تسلم كذلك المناطق السكنية من شظايا صواريخها ومسيراتها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





