حسن مدن
كاتب وباحث من البحرين، صدرت له مؤلفات في قضايا الخليج، الثقافة، الأدب، السيرة، اليوميات، وغيرها.
يعدّ كتاب طه حسين “الأيام” العمل الأكثر حضوراً وتأثيراً في أدب السيرة الذاتية عربيّاً، كونه يؤرّخ لصعود فردٍ خرج من أقصى الهامش الاجتماعي، ليصبح واحداً من أبرز بناة النهضة العربية الحديثة. لسنا إزاء قصة طفلٍ ضريرٍ نشأ في قرية فقيرة بصعيد مصر فقط، وإنما أيضاً إزاء عقلٍ يحاول أن يخرج من ظلمات التقليد إلى أفق النقد والحداثة.
امتلك طه حسين قدرة نادرة على تحويل معاناته الشخصية إلى تجربة إنسانية عامة. وهذا ما تجلى في “الأيام” التي لم يُرد منه الاحتفاء ببطولة فردية بقدر ما أراد الدفاع عن قيمة الإرادة الإنسانية، وقدرة المعرفة على تحرير الإنسان من قيوده الاجتماعية والثقافية. ولهذا ظلّ الكتاب حيّاً عبر الأجيال، لأن قارئه لا يقرأ سيرة رجل بعينه فقط، بل أيضاً يقرأ إمكان انتصار الإنسان على شروطه القاسية.
ما له أهمية كبيرة أنّ طه حسين لم يكتب “الأيام” في لحظة صفاء وطمأنينة، وإنما كتبه بعد واحدةٍ من أعنف المعارك الفكرية التي شهدها العالم العربي الحديث، إثر صدور كتابه “في الشعر الجاهلي” عام 1926، الذي أحدث زلزالاً ثقافياً بسبب منهجه النقدي الجريء في قراءة التراث العربي. استند فيه إلى مناهج البحث التاريخي الحديثة التي عرفها خلال دراسته في فرنسا، متأثراً بمناهج الشك الديكارتي والنقد التاريخي الأوروبي، فدعا إلى التعامل مع الشعر الجاهلي بوصفه نصوصاً قابلة للفحص والنقد، لا باعتبارها حقائق مقدسة خارج المساءلة.
أثار هذا الطرح غضب المؤسّسات الدينية والتيارات المحافظة، التي رأت فيه مساساً بالتراث وبالمقدّسات، فتعرض الرجل لحملةٍ شرسة شملت الاتهام بالكفر والطعن في الدين، بل أُحيل على التحقيق القضائي. ورغم أنّ المحكمة انتهت إلى حفظ القضية، كانت الضغوط الاجتماعية والثقافية على طه حسين هائلة، ما اضطرّه إلى إعادة نشر الكتاب بعنوان “في الأدب الجاهلي” بعد حذف بعض الفقرات المثيرة للجدل.
توقّف دارسون لتجربة طه حسين عند الأثر النفسي العميق الذي تركته تلك المعركة عليه. ومنهم الناقد الفلسطيني فيصل دراج الذي رأى أن كتاب “الأيام” لم يكن مجرّد استعادة لذكريات الطفولة والشباب، بل كان شكلاً من المقاومة الداخلية، ومحاولة لاستعادة التوازن النفسي بعد العاصفة التي تعرّض لها صاحبها. فالرجل الذي حاول خصومه تحطيمه معنوياً عاد إلى طفولته لا لينكفئ على ذاته، وإنما ليستعيد مصادر قوته الأولى، وليبرهن لنفسه ولغيره أنّ من استطاع أن يهزم العمى والفقر والعزلة قادر أيضاً على هزيمة التعصب والجهل.
من هنا يبدو “الأيام” كتاباً للعلاج من المحنة بقدر ما هي كتاب سيرة. إنه كتابة تستعيد الماضي ولكن ليس بدافع الحنين، وإنما بغرض الفهم وإعادة التأسيس. عاد طه حسين إلى بداياته كي يعيد ترتيب علاقته بنفسه وبالعالم، وكأنّ الكتابة هنا فعل نجاة، أو محاولة لترميم الذات بعد تصدّعها تحت ضغط الهجوم الجماعي. وهذا ما يجعل الكتاب قريباً من مفهوم “السيرة الفكرية” أكثر من قربه من السيرة التقليدية، لأنّ الشخصية التي تتشكّل أمامنا ليست مجرّد شخصية اجتماعية، بل عقل يتكوّن بالتدريج عبر الصراع مع الواقع والمعرفة والسلطة.
وإذا كان “في الشعر الجاهلي” قد مثّل محاولة جريئة لتحرير الحاضر العربي من أسر الماضي وهيمنة القراءة الجامدة للتراث، فإنّ “الأيام” مثّل محاولة لتحرير الذات الفردية من عسف الجماعة ومن سلطة الامتثال الاجتماعي. خاض طه حسين في الكتاب الأول معركة العقل ضد السائد الثقافي، وفي الثاني خاض معركة الفرد ضد القهر الرمزي الذي تمارسه البيئة المغلقة على المختلف والمتمرد.
ولذلك يصعب الفصل بين الكتابين، فهما في الجوهر مشروع واحد يتخذ مسارين متكاملين: مساراً فكرياً يسائل التراث ويعيد قراءته، ومساراً إنسانياً يدافع عن حق الفرد في أن يصوغ مصيره بنفسه، ويتّسق هذا مع حقيقة أنّ مشروع طه حسين كلّه كان قائماً على فكرة التحرير: تحرير العقل من الخوف، وتحرير المعرفة من الوصاية، وتحرير الإنسان من القيود التي تفرضها الجماعة حين تتحوّل إلى سلطة تعادي الاختلاف.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





