بين الجوع والعُري: المظهر والاستهلاك كاقتصاد رمزي في المجتمع المغربي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار

 

لماذا يستهلك المغاربة أكثر مما يحتاجون؟
    تحتلّ الثقافة الشعبية موقعًا مركزيًا في تحليل البنى العميقة للمجتمعات، لا بوصفها مجرد تعبيرات فولكلورية، بل باعتبارها حوامل رمزية كثيفة تختزن أنماط التفكير، وآليات التمثّل، واستراتيجيات التكيّف الاجتماعي. وفي السياق المغربي، تبرز الأمثال الشعبية كأحد أهم المفاتيح الأنثروبولوجية لفهم العلاقة المركّبة بين الفرد والمجتمع، وبين الداخل النفسي والخارج الاجتماعي، وبين ما يُعاش وما يُعرَض.
    تنطلق هذه الدراسة من مقولة مغربية متداولة: «دوز على عدوك جيعان ولا دوز عليه عريان»، باعتبارها مدخلًا تحليليًا لفهم مركزية المظهر في الوعي الاجتماعي المغربي، لا بوصفه عنصرًا جماليًا محضًا، بل كأداة رمزية لإدارة العلاقات الاجتماعية، وحماية الذات من الإقصاء، أو من التشفي، أو من فقدان الاعتبار. وتسعى الورقة إلى تفكيك هذه المقولة في علاقتها بثقافة الاستهلاك المعاصرة، من خلال ربطها بمؤشرات حديثة للتمثّل الاجتماعي، مثل اللباس والهاتف الذكي، في سياق يتسم بهشاشة اقتصادية وتحوّلات قيمية عميقة.
– أولًا: المظهر كآلية للستر الرمزي
    تحمل المقولة «دوز على عدوك جيعان ولا دوز عليه عريان» بنية دلالية دقيقة تُفاضل بين شكلين من النقص: الجوع بوصفه حالة داخلية قابلة للإخفاء، والعُري بوصفه انكشافًا رمزيًا لا يمكن ستره. فالجوع، مهما بلغ، يظل تجربة ذاتية لا تُرى، بينما العُري يُسقِط عن الفرد غطاءه الاجتماعي، ويضعه في موضع الهشاشة أمام نظرة الآخر. ومن هنا، تتأسس أولوية المظهر في المخيال المغربي باعتباره درعًا وقائيًا، لا مجرد زينة.
    يتعزز هذا المعنى بمقولات أخرى من المجال التداولي، من قبيل: «جوعي في كرشي وعنايتي في راسي»، حيث يتحول الجسد، لا باعتباره كيانًا بيولوجيًا، بل باعتباره حاملًا للعلامات الاجتماعية، إلى مجال استثمار رمزي. فالعناية بالمظهر هنا ليست تعبيرًا عن رفاه، بقدر ما هي محاولة لإنتاج صورة متماسكة للذات في فضاء اجتماعي تنافسي.
– ثانيًا: التوتر بين الظاهر والباطن في الوعي الجمعي
    غير أن هذا التمجيد للمظهر لا يخلو من خطاب مضاد، يكشف عن وعي نقدي كامن داخل الثقافة نفسها. فالمثل القائل: «يا المزوق من الخارج آش أخبارك من الداخل» يعكس شكًّا بنيويًا في صدقية التماثل بين الصورة والحقيقة، ويطرح سؤال المطابقة الأخلاقية بين الظاهر والباطن. هذا التوتر لا يُحسم لصالح أحد الطرفين، بل يظل قائمًا بوصفه مفارقة ثقافية تُدار اجتماعيًا دون أن تُحلّ.
    وتندرج ضمن هذا السياق مقولة: «لباسك يرفعك قبل جلوسك، وحديثك أو علمك يرفعك بعد جلوسك»، التي توحي بتراتب قيمي ينتقل من الشكل إلى الجوهر. غير أن الواقع الاجتماعي يكشف عن اختلال هذا التدرّج، حيث يُضخّم المظهر على حساب ما بعده، ويغدو الجلوس ذاته مشروطًا بالصورة أكثر مما هو مشروط بالكفاءة أو المعرفة.
– ثالثًا: الهاتف الذكي: من أداة تقنية إلى رمز للتموقع الاجتماعي
    أمام محدودية اللباس كمؤشر على الوضع الاجتماعي، يبرز الهاتف الذكي بوصفه أحد أكثر الرموز كثافة في التعبير عن ثقافة الاستهلاك المعاصرة. وتكشف الملاحظة الميدانية، مدعومة بنتائج دراسات سوسيولوجية حديثة، عن مفارقة لافتة: فالفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة كثيرًا ما تمتلك هواتف من آخر جيل، تفوق في تطورها ما يستخدمه صانعوها في مجتمعات المركز الصناعي.
    في مقابل سلوك استهلاكي عقلاني نسبيًا في مجتمعات صناعية كبرى، حيث يُستنفد الجهاز تقنيًا ووظيفيًا قبل استبداله، يميل المستهلك المغربي إلى الانتقال السريع بين الأجيال التقنية، دون استثمار فعلي في الإمكانات المتاحة. وغالبًا ما لا يتجاوز الاستخدام العملي نسبة محدودة من وظائف الجهاز، ومع ذلك يصبح امتلاك “آخر إصدار” ضرورة رمزية مرتبطة بالاعتراف الاجتماعي لا بالحاجة الوظيفية.
– رابعًا: نمط الإنفاق والوعي المالي
    يتجاوز تحليل الاستهلاك الرمزي مجرد المظاهر إلى الأبعاد الاقتصادية والمالية للفرد والمجتمع. فالإنفاق على الاستهلاك ومستوى الوعي المالي يعكسان أنماط التفكير وطبيعة التدبير المالي داخل الشعوب والأمم، ويكشفان عن درجة تقدمها ونضجها الاقتصادي. ففي المجتمعات التي تتمتع بعقلانية عالية ووعي فعّال، يسيطر نمط الإنفاق النوعي، حيث يوجه المستهلك موارده إلى ما يحقق أقصى منفعة، ويوازن بين الضروري والكمالي.
    أما في المجتمعات الانتظارية، حيث يغيب الوعي المالي، فيسود الإنفاق الكمي المتوحش، القائم على الاستهلاك غير المضبوط، والتبعية للرغبات اللحظية، أو ضغط المجتمع والإعلانات. وهنا يتحول الاستهلاك إلى فعل تعويضي يعكس حالة الهشاشة الاجتماعية، بدل أن يكون أداة نضج وحرية اقتصادية.
    ويقدّم التصور القرآني للإنفاق إطارًا أخلاقيًا متوازنًا، كما في قوله تعالى:
﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾.
فالمعادلة الأساسية هنا تقوم على القدرة والمسؤولية، وليس على الترف أو التبذير. كما يوضح القرآن أن التفاوت في الموارد ليس ظلمًا بحد ذاته، بل جزء من نظام اجتماعي معقّد:
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
    من هذا المنظور، يصبح مستوى الوعي المالي ومهارة إدارة الموارد مؤشرًا على نضج المجتمع وقدرته على ضبط نفسه داخليًا، وهو ما ينسجم مع الفلسفة الرمزية للمظهر والاستهلاك، حيث يرتبط تموقع الفرد الاجتماعي ليس فقط بما يملك أو يظهر، بل بما يعرف كيف يديره ويوازن بين الضروري والكمالي.
– خامسًا: الاستهلاك كتعويض رمزي واستلاب ناعم
    يتكرس المنطق نفسه في اقتناء السيارات والمعدات المصاحبة لها، حيث تتحول المركبة من وسيلة تنقل إلى واجهة عرض اجتماعي، تُحمَّل بكل الخيارات الممكنة، ويُضاف إليها أحيانًا ما يحوّل الفضاء العام إلى مسرح قسري لإثبات الوجود. هنا، لا يعود الاستهلاك فعل إشباع، بل يغدو أداة تموقع داخل فضاء اجتماعي غير متكافئ.
    من منظور الفلسفة السياسية، يمكن قراءة هذه الظاهرة باعتبارها نتيجة مباشرة لفراغ تأطيري قيمي، تُرك للسوق كي يملأه بمنطق الصورة والإغراء. أما أنثروبولوجيًا، فهي تعكس تحوّلًا في نظام المعنى، حيث لم يعد الفقر يُعرَّف بما يُعاش، بل بما يُخفى، ولم تعد الهشاشة تُقاس بالحرمان، بل بالقدرة على تمويهه. وهنا يتجلى شكل من الاستلاب الناعم، لا يُفرض بالقسر، بل يُبنى عبر الامتصاص القيمي وإعادة برمجة الرغبات.
* خلاصة:
    تكشف ثقافة المظهر والاستهلاك في المجتمع المغربي عن مفارقة عميقة: مجتمع يبالغ في الاستثمار في الصورة، في سياق يعاني من هشاشة مادية وبنيوية متزايدة، مع وعي مالي متفاوت، وهو ما يجعل المسألة ليست مجرد اختيار فردي بل نظامًا متداخلًا من الرموز والقيم والهشاشة الاقتصادية.
    من هنا، لا يتمثل السؤال المركزي في: لماذا يستهلك المغربي أكثر مما يحتاج؟ بل في: أي فراغ رمزي يسعى إلى ملئه؟ وأي نمط من الوعي المالي يمكن أن يحوله إلى أداة نضج واستقلالية حقيقية؟ ثم، إلى أي حد يمكن لمجتمع أن يبني تماسكه على اقتصاد الصورة، دون أن يُعيد التفكير في شروط إنتاج القيمة، والمعنى، والاعتراف؟
    إن هذه الأسئلة تظل مفتوحة، لا بوصفها دعوة للإدانة الأخلاقية، بل باعتبارها مدخلًا نقديًا لإعادة التفكير في الثقافة الاستهلاكية والوعي المالي، وفي إمكان بناء أفق بديل يُعيد الاعتبار للداخل دون إنكار الخارج، وللجوهر دون السقوط في إنكار الصورة، في سياق مغربي يتأرجح بين الحاجة إلى الستر، والرغبة في المعنى.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...