بقلم:باحث دولي في شؤون الصحة العالمية
متخصص في المخاطر البيئية الناشئة وتأثيراتها الصحية
الحلقة الأولى من سلسلة علوم العصر الحديث
عندما تتحول قارورة الماء إلى مصدر تلوّث صامت
النانوبلاستيك، الفتح المتكرر، واضطرابات الصحة الخفية
تنويه علمي
تعتمد المعطيات الواردة في هذا المقال على دراسات مخبرية وتجريبية محكَّمة، ومعظم الأدلة المتعلقة بالتأثيرات الصحية لدى الإنسان ما تزال قيد البحث العلمي. ويُقدَّم هذا الطرح في إطار التوعية الوقائية المبنية على المعطيات العلمية المتاحة، دون ادعاء حسم سريري نهائي.
في عالمٍ أصبحت فيه قارورة الماء البلاستيكية جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، بدأت الأبحاث العلمية تكشف عن خطر غير مرئي يُعرف بـالنانوبلاستيك، وهي جزيئات بلاستيكية متناهية الصغر قادرة على اختراق الجسم البشري والتفاعل مع أنظمته الحيوية.
مصدر علمي عالي المصداقية
تستند هذه النتائج إلى أبحاث صادرة عن جامعة كولومبيا الأمريكية، إحدى أعرق الجامعات البحثية في العالم وعضو رابطة Ivy League. وتضم الجامعة مؤسسات بحثية مرجعية مثل مرصد لامونت–دوهيرتي للأبحاث الأرضية وكلية ميلمان للصحة العامة، ما يجعل أبحاثها مرجعًا دوليًا في قضايا البيئة والصحة العامة.
أرقام صادمة من العلم
في يناير 2024، نشرت جامعة كولومبيا دراسة في مجلة علمية مرموقة في الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS) كشفت أن كل لتر من المياه المعبأة يحتوي في المتوسط على نحو 240 ألف جزيء بلاستيكي قابل للرصد، رقم صادم جدا و يشكّل النانوبلاستيك حوالي 90% منها.
ويمثل هذا الرقم قفزة كبيرة مقارنة بالتقديرات السابقة التي كانت تركّز فقط
على الجزيئات البلاستيكية الأكبر حجمًا.
الفتح والغلق المتكرر: تسريع غير مرئي للتلوث
تشير الأدلة إلى أن سلوكًا يوميًا بسيطًا — الفتح والغلق المتكرر للقارورة — قد يؤدي إلى زيادة غير مرئية في التلوث.
فالاحتكاك الميكانيكي بين الغطاء وعنق القارورة البلاستيكية يُحدث تآكلًا مجهريًا في البوليمرات، ما يسهم في إطلاق جزيئات إضافية من النانوبلاستيك داخل الماء.
وقد أظهرت تجارب مخبرية أن الاستعمال المتكرر خلال اليوم الواحد قد يرفع تركيز النانوبلاستيك بنسبة تتراوح بين 30% الى أكثر من 200%، ويزداد هذا التأثير عند:
الضغط على القارورة أثناء الشرب
تعريضها للحرارة
إعادة تعبئتها
عصرها أو رجّها بشكل متكرر
التراكم السنوي: الخطر الصامت
تكمن الخطورة الحقيقية في التراكم طويل الأمد.
ففي مراجعات علمية حديثة لجامعة كونكورديا (كندا) نُشرت بين أواخر 2024 وبداية 2025، قارن الباحثون بين مستهلكي مياه الصنبور ومستهلكي المياه المعبأة.
النتيجة اللافتة:
الأشخاص الذين يعتمدون كليًا على المياه المعبأة يستهلكون سنويًا من الجزيئات البلاستيكية المجهرية ما يعادل وزن “بطاقة ائتمان” تقريبًا.
لماذا يثير النانوبلاستيك قلق العلماء؟
لأنه قادر على:
عبور جدار الأمعاء والرئتين
الوصول إلى مجرى الدم
التراكم في أعضاء حساسة
الآلية المحتملة للتأثير
لا تكمن خطورة النانوبلاستيك في كتلته، بل في مساحته السطحية العالية وقدرته على الارتباط بالملوثات الكيميائية والمعادن الثقيلة، ما يجعله ناقلًا بيولوجيًا نشطًا داخل الجسم.
التأثيرات الصحية المحتملة
1. اضطراب الغدد الصماء
قد يحمل النانوبلاستيك أو يحرر مواد معطِّلة للغدد الصماء، مؤثرًا على:
هرمون التستوستيرون
هرمون الإنسولين
هرمونات الغدة الدرقية
وهي اضطرابات قد تكون تراكمية وبطيئة الظهور.
2. السكري ومقاومة الإنسولين
أظهرت دراسات على الحيوانات أن التعرض المزمن للنانوبلاستيك قد يؤدي إلى:
مقاومة الإنسولين
التهاب مزمن منخفض الدرجة
اضطراب وظائف خلايا البنكرياس
3. الخصوبة الذكرية
بيّنت أبحاث تجريبية انخفاض جودة الحيوانات المنوية نتيجة:
انخفاض العدد
ضعف الحركة
تشوهات الشكل
زيادة موت الخلايا المنوية
ويُعزى ذلك إلى التراكم في الخصيتين وما يسببه من إجهاد تأكسدي وتلف في الحمض النووي.
4. القدرة الوظيفية الجنسية
الاضطرابات الهرمونية والالتهابية والوعائية المرتبطة بالنانوبلاستيك قد تؤثر بشكل غير مباشر على:
الرغبة الجنسية
الأداء الوظيفي
التوازن العصبي–الهرموني
حتى الآن، لا توجد علاقة سببية مباشرة مثبتة لدى الإنسان، غير أن المؤشرات البيولوجية تستدعي الحذر.
القارورة البلاستيكية: استعمال واحد لا أكثر
يؤكد خبراء الصحة البيئية أن القارورة البلاستيكية لم تُصمَّم للاستعمال المتكرر.
ومع مرور الوقت:
تضعف بنيتها البوليمرية
يتسارع تفتتها الداخلي
يرتفع تركيز الجزيئات البلاستيكية في الماء
وتتفاقم المخاطر عند تركها في السيارة أو تحت أشعة الشمس.
الوقاية الذكية
في ظل غياب أدلة قاطعة لدى الإنسان، يوصي العلماء بـ:
تقليل استهلاك المياه المعبأة
عدم إعادة استعمال القوارير البلاستيكية
استخدام قوارير زجاجية أو معدنية قابلة لإعادة الاستخدام
حماية الأطفال والحوامل من التعرض غير الضروري
اعتماد نمط حياة داعم للتوازن الهرموني (غذاء متوازن، نشاط بدني، نوم كافٍ)
خلاصة
لم يعد النانوبلاستيك مجرد ملوّث بيئي، بل عامل خطر بيولوجي ناشئ يتقاطع مع الصحة الهرمونية والاستقلابية والإنجابية.
وقد يحوّل سلوك يومي بسيط — مثل الفتح المتكرر لقارورة الماء — عادةً عادية إلى تعرّض تراكمي غير محسوب.
في زمن تتسارع فيه الاكتشافات العلمية، لم يعد السؤال: هل البلاستيك موجود في حياتنا؟
السؤال الحقيقي هو هل نملك الوعي الكافي و الإرادة الحقيقية لتقليل أثره على صحتنا و حياتنا حين نعلم؟
بقلم:باحث دولي في شؤون الصحة العالمية
متخصص في المخاطر البيئية الناشئة وتأثيراتها الصحية
في الحلقة القادمة:
حلّ علمي واعد لهذه المعضلة…
من اليابان
يتبع…
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





