البوليساريو والزمن الدبلوماسي المنكسر: من خطاب الانفصال إلى هامش النظام الدولي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.

 

 

    حين يتقدّم الزمن وتبقى الخطابات عالقة
    كيف يمكن لكيان سياسي أن يواصل مخاطبة عالمٍ لم يعد موجودًا؟ وأي مصير ينتظر حركة صاغت هويتها وخطابها في سياق دولي تجاوزه التاريخ، بينما أعاد النظام العالمي ترتيب مفاهيم الشرعية، والحل، والفاعلية السياسية؟

    لا يمكن فهم الوضع الراهن لجبهة البوليساريو الانفصالية خارج هذا السؤال المركزي الذي يفرض نفسه بصمت على مجمل تحركاتها الأخيرة، خاصة في العواصم الغربية، حيث باتت المسافة بين الخطاب والواقع أوسع من أن تُجسر بالشعارات.

أولًا: الدبلوماسية كاختبار للوجود السياسي

    ما الذي تكشفه التحركات الدبلوماسية عندما تتحوّل من فضاء للتأثير إلى مرآة للعجز؟

    إن المحاولات الأخيرة التي قامت بها جبهة البوليساريو لولوج مراكز القرار الغربي، وخصوصًا في واشنطن، لم تُنتج أثرًا سياسيًا ملموسًا، بقدر ما أعادت تثبيت حقيقة بنيوية: الحركة لم تعد تُقرأ كفاعل مستقل، بل كحالة مرتبطة بنزاع مُدار من خارجها.

    فالدبلوماسية، في منطق العلاقات الدولية، ليست مجرد حركة رمزية، بل اختبار للقدرة على إنتاج معنى سياسي قابل للتداول. وعندما ينتهي هذا الاختبار إلى إعادة تأكيد مرجعية الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، فإن الأمر لا يعكس فقط موقف دولة بعينها، بل يكشف عن تراكم تصوّري داخل المنتظم الدولي، أصبح يتعامل مع النزاع من زاوية الاستقرار والواقعية، لا من زاوية الشعارات التاريخية.

ثانيًا: حالة الفراغ القراري وإشكالية التمثيل

    كيف يمكن لخطاب “تقرير المصير” أن يستقيم دون إرادة مستقلة؟

    يبرز أحد أعمق اختلالات جبهة البوليساريو في عجزها البنيوي عن اتخاذ قرار سياسي ذاتي. فالوفود التي تتحرك باسمها لا تمتلك سلطة تفاوضية حقيقية، وتظل رهينة مسار تشاوري يتم خارج فضاء الشرعية الانتخابية، وتحت وصاية مباشرة للنظام العسكري الجزائري.

    هذا الوضع لا يطرح فقط إشكال الفعالية، بل يمس جوهر الادعاء التمثيلي نفسه.

    إذ كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يتعامل مع طرف يفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقلالية القرارّية، في زمن باتت فيه السيادة السياسية تُقاس بالقدرة على إنتاج المبادرات، لا بترديد الخطابات؟

ثالثًا: النزاع كأداة وظيفية لا كقضية تحرّر

    متى يتحوّل “النزاع” من قضية إلى وظيفة؟

    تُظهر القراءة السوسيو-سياسية لمسار البوليساريو أن الحركة لم تتطوّر كفاعل تحرّري مستقل، بقدر ما اندمجت ضمن استراتيجية إقليمية صاغتها المؤسسة العسكرية الجزائرية منذ سبعينيات القرن الماضي. فالدعم اللوجستي والدبلوماسي والمالي، وحتى حركة الأفراد والوفود، يمر عبر قنوات جزائرية مركزية، بما يجعل من الجبهة أداة في صراع إقليمي، لا تعبيرًا عن إرادة سياسية ذاتية.

    هنا، يتبدّد الخطاب الكلاسيكي حول “تصفية الاستعمار”، ليظهر النزاع في صورته الأكثر براغماتية: مورد سياسي يُستثمر داخليًا وإقليميًا، وتُدار من خلاله توازنات لا علاقة لها مباشرة بمصير السكان المحتجزين في مخيمات تندوف.

رابعًا: من العزلة السياسية إلى الاشتباه الأمني

    ماذا يحدث عندما تفقد الحركات الانفصاليّة غطاءها الأخلاقي؟

    خلال السنوات الأخيرة، بدأ الخطاب الغربي، داخل بعض البرلمانات ومراكز البحث، ينتقل من توصيف البوليساريو كحركة سياسية متعثرة، إلى التعامل معها كحالة أمنية إشكالية. وقد تزايدت التحذيرات من تداخل محتمل بين عناصر من الجبهة وشبكات تهريب المخدرات والسلاح في فضاء الساحل والصحراء، فضلًا عن تقاطعات مقلقة مع جماعات متطرفة تنشط في بيئة إقليمية هشّة.

    ورغم غياب تصنيف دولي رسمي حتى الآن، فإن هذا التحوّل في زاوية النظر يعبّر عن انكسار سردية “حركة التحرر”، وصعود مقاربة أمنية ترى في استمرار هذا الكيان عامل تهديد للاستقرار الإقليمي، لا مشروعًا سياسيًا قابلًا للإدماج.

خامسًا: الحكم الذاتي كتحوّل في سؤال الحل

    لماذا لم يعد السؤال هو “هل الحكم الذاتي ممكن؟”

    في المقابل، استطاع المغرب، عبر طرح متدرّج ومتماسك للحكم الذاتي، أن يعيد صياغة معادلة الحل من أساسها. فلم يعد المقترح يُقدَّم كتنازل سياسي، بل كإطار عملي يوازن بين السيادة، والاستقرار، والتنمية، ويحظى بدعم دولي متنامٍ.

    التحوّل الجوهري هنا أن النقاش الدولي لم يعد يدور حول مبدأ الحل، بل حول شروط تنزيله وآلياته. وهو ما يضع الأطراف الرافضة أمام عزلة سياسية خانقة، ويُخرجها تدريجيًا من دائرة الفعل إلى هامش الاعتراض غير المؤثّر.

خاتمة: ما بعد الوهم السياسي

    أي مصير ينتظر الكيانات التي تُصرّ على العيش خارج زمنها؟

    إن ما تكشفه التحركات الأخيرة لجبهة البوليساريو الانفصالية ليس مجرد فشل دبلوماسي ظرفي، بل نهاية مرحلة كاملة من الوهم السياسي: وهم العودة إلى أطروحات الاستفتاء، ووهم استدرار تعاطف دولي بخطاب استُهلك تاريخيًا، ووهم فرض أمر واقع خارج موازين القوى الدولية.

    في عالم يعيد تعريف الشرعيّة على أساس الواقعيّة والقدرة على الإسهام في الاستقرار، لم يعد هناك متّسع لحركات تعيش على الصراع، ولا لأنظمة توظّف النزاعات للهروب من أزماتها الداخلية. والسؤال الذي يظل معلقًا، دون حاجة إلى صياغته مباشرة، هو:

    هل يمكن لكيان لم يدرك بعد منطق الزمن الدبلوماسي أن يجد لنفسه مكانًا في نظام دولي لا يرحم من يرفض التكيّف مع الحقائق؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...