المرأة المغاربية في معارك التحرير الوطني : من الظل الى قلب الفعل

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عنقا الادريسي المختار

 

استهلال تأسيسي

لم يكن تاريخ التحرر الوطني في البلدان المغاربية تاريخ رجالٍ فقط ، كما رسخته السرديات الرسمية والذاكرة المدرسية لعقود طويلة ، بل كان
– في جوهره – تاريخ مجتمع بأكمله وهو يخوض معركة الوجود والكرامة والسيادة . غير أن هذا التاريخ كُتِب في أغلبه بصيغة المذكر ، فأخفيت داخله الأدوار النسائية ، وفي أحسن الحالات نجد أنه تم حصرها في الهامش الرمزي ، رغم أن الوقائع الميدانية والوثائق والشهادات الشفهية ، جميعها تؤكد أن المرأة المغاربية ماكانت أبدا مجرد متفرجة على لحظات التحرير ، بل كانت فاعلة في صميمها، شريكة في التخطيط والتنظيم والاسناد ، وأحيانا كثيرة في حمل السلاح والمعاناة من التنكيل قبل الاستشهاد . لقد فرض السياق الاستعماري ، بما حمله من عنف عسكري واقتصادي وثقافي ، تعبئة جماعية شاملة لم تستثن النساء . فحين تحولت الأوطان الى ساحات مواجهة ، لم تعد معها الحدود التقليدية بين ” الخاص” و” العام “
قائمة : فخرجت معها المرأة من المجال المنزلي الضيق الى الفضاء العمومي ، لا بوصفها مطلبا حداثيا أو خطابا حقوقيا ، بل استجابة لضرورة تاريخية فرضتها معركة البقاء الوطني . وهكذا أصبح بيتها مخبئا للفدائيين ، وزغرودتها شيفرة انذار مبكرة ، ومِلْحَفَتُها وحائكها وجلبابها وسيلة لاخفاء رسائل رجال المقاومة واسلاحتهم ، وتحولت الأم والزوجة والأخت الى حلقة مركزية في شبكة المقاومة .
وفي المغرب ، كما في الجزائر وتونس وليبيا ، اتخد الحضور والفعل النسائي أشكالا متعددة :
من التظاهر والاحتجاج ،
الى العمل السري والتنظيم السياسي ، والى الانخراط المباشر والفعلي في الكفاح المسلح . واذا كانت المقاومة الجزائرية قد افرزت أيقونات نسائية عالمية شاركن في حمل السلاح . فان المغرب قد عرف نساء وقّعن الوثائق واحتضن خلايا فدائية عديدة . كما عرفت تونس تنظيمات نسائية ارتبطت بالحركة الوطنية . بينما أسهمت النساء الليبيات في دعم
المقاومة ضد الاحتلال الايطالي في ظروف قاسية من التهجير والتنكيل والحصار .
ومع ذلك فالمفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا الحضور الكثيف لم يترجم – بعد الاستقلال –
الى اعتراف تاريخي متكافئ ، فمع تشكّل الدولة الوطنية ، عادت كثير من النساء الى الظل
وأُعيد انتاج سردية بطولية ذكورية هيمنت على الذاكرة الجماعية واحتكرتها ، واختزلت النضال النسائي في أدوار ثانوية أو استثنائية . وكذا نشأ نوع من ” النسيان المؤسسي ” الذي هَمَّش مساهمات النساء ، وحوّل بعضهن الى رموز
احتفالية أكثر مما هن فاعلات تاريخيات .
ومن هنا تبنع الحاجة الى فتح هذه النافذة من تاريخ حركة المقاومة المغاربية ، لا بدافع الانصاف الرمزي فحسب،
بل من أجل فهم أعمق لطبيعةالحركات الوطنية نفسها.اذ لايمكن تحليل ديناميات التحرير المغاربي دون ادراك أن النساء كن عنصرا بنيويا في شبكات المقاومة : يؤمِّنَّ الاتصال …التمويل
…الرعاية … التجنيد … الدعم المعنوي ، وأحيانا
القيادة الميدانية . وان تغييب هذا المعطى وعدم استحضاره والاشادة به ، سيفضي لامحالة الى قراءة مبتورة للتاريخ الوطني .
وبالتالي فان مقاربة
” المرأة المغاربية في معارك التحرير الوطني “
لا تسعى الى صناعة أي تاريخ موازٍ أو معزول للنساء ، بل الى ادماجهن
في السرد الوطني العام
بوصفهن فاعلات كاملات الأهلية التاريخية . فالقضية ليست اضافة أسماء الى قائمة الشهداء
أو المناضلين ، وانما اعادة النظر في مفهوم البطولة ذاته ، وفي معنى الفعل السياسي الوطني ، وفي الحدود المصطنعة بين المجالين العام والخاص . وعليه فان هذه النافذة تقترح الانتقال من منطق التوثيق الاحتفائي الى منطق التحليل التاريخي النقدي ، عبر استعادة سير النساء المناضلات في البلدان المغاربية ، وتصنيف أدوارهن بين المقاومة المسلحة ، والعمل السري والتنظيم السياسي ، والتعبئة الاجتماعية وربط ذلك بالسياقات الاستعمارية وبمسارات بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال ،
فالغاية ليست تخليد الماضي فقط ، بل مساءلته أيضا عن :
* كيف شاركت النساء في التحرير ؟
* كيف أعيد تهميشهن لاحقا ؟
* ماالذي تكشفه هذه المسارات عن طبيعة الدولة والمجتمع والذاكرة ؟
وبهذا المعنى – فان هذه النافذة – تمثل عودة الى التجربة النضالية النسائية باعتبارها فعلا مزدوجا فهي : من جهة استعادة للذاكرة المغيبة أو المتناسية . ومن جهة ثانية تفكيكا للسرديات الأحادية التي اختزلت حركات التحرير في بطولة ذكورية .
وعليه فانها محاولة لنقل المرأة المغاربية من الهامش التاريخي الى مركز السرد ، ومن صورة
” الدعامة الصامتة ” الى
موقع”الفاعلة المؤسسة”
ومن الظل الى قلب الفعل .
وختاما فانا بفتح هذه النافذة الفكرية ، لا نروم كتابة” تاريخ نسوي منفصل ” ، بل نهدف الى الاسهام -ضمن محاولات كثيرة – الى اعادة دمج النساء داخل التاريخ الوطني العام بوصفهن فاعلات أساسيات في صناعته . واعادة توزيع الضوء بين المركز والهامش ، بحيث يصبح التاريخ المغاربي تاريخ مجتمع كامل ، نساء ورجالا .

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...