كأس العالم للتنمّر

 

 

 

 

 

عائشة بلحاج
صحافية وشاعرة مغربية.

 

 

سأل أحد المشجّعين الأرجنتينيين الكاتبَ المكسيكي خوان بيورو: هل صحيح أن مشجعي الفريقين في مباراة لكرة القدم، يجلسون بعضهم بجوار بعضٍ في المكسيك، من دون مشاكل؟ ولمّا ردّ بنعم، قال له في دهشة “ولا يقتل بعضهم بعضاً في النهاية”؟ ولما أجابه بأن الجمهور المكسيكي مسالم، قال “لستم جمهوراً إذاً”.

يُفسّر بيورو الأمر في كتابه “جنون المستديرة” (ترجمة محمد عثمان خليفة، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 2018) بأن “جمهور الكرة في حالة طفولية دائمة، يتلفّت حوله بحثاً عن القِوى السحرية. أمامه فرجة مكثفة تحتشد فيها شتّى أنواع مخدرات الحسّ، التي يُعزّزها الأداء والتسويق الجماهيري وأفعال الألتراس الحمقاء”.

نحتاج هذا النموذج لتفسير سلوك جمهور المنطقة العربية خلال أطوار مباريات كأس العالم. في إحدى أكثر الدورات التي تعرف حضور منتخبات عربية (ثمانية منتخبات، نصف من أفريقيا ونصف من آسيا، بعضها عريق في كرة القدم، خصوصاً من الجانب الأفريقي، وبعضٌ يتأهل أول مرّة إلى المونديال مثل الأردن، ولثاني مرة، ولكن ليس عبر التصفيات المعتادة مثل منتخب قطر الذي شارك في الدورة الماضية باعتبار بلده المنظم. ولهذا يختلف سلوك جمهورها الأكثر تحكّماً في حماسه. على عكس مشجّعي منتخبات أكثر عراقة، حيث يتحولُ الأشخاص العقلانيون إلى جمهور يتصرّف بهيجان بهيج ضمن المجموعة بما لا يمكن أن يفعله خارجها، فهو يقفز أمام الكاميرا ويرقص ويغني وقد يتصرّف بعنف أحياناً.

بل لو تصرف بهدوء وعقلانية، لوُصف بأنه مشجع مزيف ضلّ طريقه إلى الملعب. حيث يُضيف بيورو: “المشجّعون عاطفتهم نقية غير ملوثة تستعصي على سخرية الخصم، هم الشّيء النادر الذي يُبقي المحرك الأساسي لكرة القدم”.

مقابل الجمهور الذي في الملعب ويتأتّى له الصياح وشتم الجمهور الآخر، وأحياناً الدخول في أعمال عنف معه، هناك جمهور أوسع، أمام الشاشات، تجتاحه طاقة قوية من الفرح أو الغضب ويحتاج إلى تفريغها بشكل ما. وأعطت وسائل التواصل الكثير لهؤلاء للتعبير عن الفرح الجنوني والغضب المرير.

ولأن “الميمز” (في وسائل التواصل) صارت لغة تواصل مؤثرة ومعبّرة. والعرب أظهروا تفوقاً فيها، خصوصاً المصريين الذين نجحوا في إشهار مشاهد ساخرة لا تُنسى من مواقف يومية، أو من مناسبات. وكان لا بد أن يصل الأمر إلى جمهور كرة القدم “نقيّ العاطفة” من جهة، والهائج من جهة أخرى. خصوصاً حين تتقاطع “الميمز” كإحدى وسائل السخرية مع أسباب اللجوء إليها، وهو تجاوز الضعف وتجاهله بالسخرية منه بدل مواجهته. والسخرية سلاح الشعوب لمواربة العجز.

ووجد جمهور كرة القدم متنفساً في “الميمز” بالسخرية من كل ما لا يروق له. والسخرية الناجحة تبدأ من النفس، لأنها حين ستمس الآخر سيتقبلها طالما أن الساخر بدأ من نفسه، مثل الجمهور المخذول من فريقه، “ميمزاته” فيها من المزاح ما يخفّف الصدمة عليه. وكانت المواجهة الظريفة بين الجمهورين، المصري والمغربي، بـ”الميمز” قبل كأس أفريقيا الماضية مصدر تسلية كبيرة لا تقل عن تسلية مشاهدة الكرة. ولم تكن تلك السخرية الموجّهة من أحدهما ضد الآخر، تتجاوز الحدود التي تجعل أحد الطرفين ينتفض. إلى أن بدأت البطولة واحتدّت الأجواء، بعد تصريحات حسام حسن الاستفزازية، فانفرطت الطرافة من “الميمزات”، وذهبت هي والتعليقات إلى أماكن غير مقبولة. هناك يكون الجمهور، ضحية للتلاعب، الذي أجّج ما كان الجمهور يداريه بالسخرية وهو الانتصار للفريق بأيّ ثمن.

الحالة نفسها بين العراق والأردن ودول أخرى، حيث الطرافة تكون مصدر تسلية طالما لا يتحوّل الأمر إلى مواجهة جدّية. حين تنهض الإساءات والنعرات وما في رصيد الطرفين من شتائم الأجداد، مضافاً إليه الذباب الإلكتروني الذي يسعى إلى إيجاد إجماع وطني مصطنع، فالشعوب تتحد مع الأنظمة حين تشعر بالتهديد الخارجي.

والنموذج البارز، يكمن في التعليقات بين الجمهورين المغربي والجزائري على المنشورات المتعلقة بكل منهما، التي تُسيء وتفسد كل تسلية. وهذا نموذج بعيد في السموم الإلكترونية. حيث يأتي الرد الدفاعي هجومياً بطريقةٍ لاأخلاقية. فتفسد السخرية وتتحوّل إلى هجوم لفظي، وكل منهما يُطلق عليه باللغة الحديثة “تنمّر”، لكن هناك فرق كبير بين المزاح والعداء.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...