الجالية المغربية بالخارج بين وجع التهميش ونداء الانتماء: صرخة غيرة في رحاب الوطن

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد العزيز الهيبة

 

 

لا يكتمل الحديث عن الفوارق الاجتماعية ومعضلة التهميش دون التوقف عند جرحٍ ينزف في صمت جرح أبناء الجالية المغربية بالخارج. هؤلاء الشباب الذين امتطوا صهوة الغربة لا بحثاً عن رفاهية زائفة ولا هروباً من قدر محتوم بل إيماناً بأن التضحية بعيداً عن دفء العائلة هي السبيل الوحيد لبناء مستقبل كريم لهم ولأهاليهم. درسوا وتفوقوا في كبريات الجامعات العالمية، من باريس وبرلين إلى أمستردام وتورونتو، وحملوا شهادات عليا بلغات العالم وعاد الكثير منهم وفي حقائبهم حلمٌ واحد: وضع كفاءاتهم في خدمة مغرب الغد.

لكن الصدمة كانت بمرارة الاغتراب؛ حين وجدوا الأبواب موصدة والمسارات ملغومة بآفات المحسوبية والزبونية، حتى باتت الوساطة أقوى من أرقى الدبلومات، وشعار باك صاحبي يعلو ولا يُعلى عليه. ليجد الكفاء المغترب نفسه مجبراً على العودة من حيث أتى، يجرّ خلفه خيبةً تفوق في وجعها مرارة الغربة الأولى.

المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا المواطن المهمش هو نفسه المحرك النابض للاقتصاد الوطني فهو الذي يضخ سنوياً أزيد من 100 مليار درهم من العملة الصعبة وهو الذي يشيد المشاريع ويحرك عجلة العقار والسياحة من طنجة إلى الكويرة وهو الذي تجده في طليعة الصفوف عند كل أزمة، ولعل زلزال الحوز خير شاهد على تلبية نداء القلب والدم قبل نداء الواجب.

لقد ضحى هذا المواطن مرتين: مرة حين اغترب ليبني ذاته ومرة حين استثمر في وطنه ليبني مجد بلده. وفي المقابل حصد الإقصاء والتهميش حتى خُيل للبعض أنه مجرد رقم مالي مطلوب منه الدعم والاستثمار والصمت وغير مسموح له بالمشاركة في صناعة القرار أو الحصول على فرصة عادلة تليق بكفاءته.

إن ما يزيد من حدة الاستياء هو أن هذا التهميش يأتي بعد سنوات من دعوات شد الحزام والتقشف التي تحملها المواطن البسيط والطبقة الوسطى بصبر وأناة على أمل أن يكون العقد الأخلاقي واضحاً: نضحي اليوم ليعيش أبناؤنا غداً أفضل. لكن النتيجة كانت تفاقم الفوارق بشكل فج، وظهور طبقة إثراء سريع احتكرت الصفقات والمناصب بينما ظل السواد الأعظم يواجه غلاء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية.

لذا فإن خروج هذه الأصوات اليوم ليس فوضى بل هو تراكم لوعود مؤجلة وحقوق مصادرة. إنه صوت الحق الذي يزعج لأنه يكشف عورة الواقع ويعجزون عن إسكاته لأنه نابع من رحم المعاناة الصادقة.

وفي الختام، وجب التأكيد على أن حديثنا عن هذه الاختلالات لا ينبع من حقد ولا يخدم أجندات متربصة بل هي صرخة مُحب غيور على وطنه. إن ولاءنا للمملكة المغربية ثابت لا يتزعزع، وانتماءنا لهذا الوطن يجري مجرى الدم في العروق. ولاؤنا لملكنا الهمام، أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي ندعو له بالشفاء والصحة، هو ضامن وحدة الأمة وحامي استقرارها.

إن انتقادنا للاختلالات هو في جوهره دفاع عن الرؤية الملكية السامية فنحن نريد مغرب الملك محمد السادس كما أراده جلالته حفظه الله: مغرب العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والمواطنة الكاملة التي لا تُقصي أحداً. الصمت عن الفساد هو الخيانة الحقيقية أما كشف الجرح فهو أولى خطوات العلاج لأننا نؤمن أن هذا الوطن يستحق الأفضل وأن ملكنا يسهر على الأفضل ودورنا أن نكون العين التي تبصر واليد التي تبني.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...